
🖍️ ندوب لا تلمع في الضوء🖍️
فاطمه الجلاوى
لم تكن تلك المرة الأولى التي أدخل فيها ذلك المكان المعطر بحضور غيابي، لكني في تلك اللحظة شعرت كأنني أدخله للمرة الأولى حقًا. كان المستودع في عملي أشبه بذاكرةٍ قديمةٍ تتنفس بصعوبة: رفوف خشبية داكنة، وأوانٍ فضية وذهبية تقف بصمتٍ كأنها شهود على حياةٍ لم تُحكَ بعد.
في الزاوية، كانت هناك أشياء مهملة، مغطاة بطبقة كثيفة من الغبار، كأن الزمن نفسه قرر أن يتخلى عنها. دون أن أفكر كثيرًا، بدأت أجمع أدوات تنظيف قديمة ومواد لم تكن كافية تمامًا، وقررت أن أمنح تلك المعادن فرصة أخرى للظهور.
كان العمل بطيئًا، لكنه غريب الطمأنينة. كل قطعة كنت أمسحها كانت تستيقظ من غفوتها، كأن الغبار لم يكن سوى نسيانٍ مؤقت، لا موتًا حقيقيًا. شيئًا فشيئًا، بدأ المكان يتغير: الضوء صار ألين، والانعكاسات أكثر صدقًا، وكأن الأشياء بدأت تستعيد صورتها الأولى قبل أن يلمسها العالم.
حين انتهيت، جلست أراقب ما حدث. لم تكن الأواني مجرد أدوات استعادت بريقها، بل بدت لي ككائناتٍ استعادت حقها في الظهور. عندها فقط بدأ السؤال يتشكل في داخلي، ببطء يشبه نمو الشك:
إذا كان الغبار يُمسح عن المعادن بسهولة، فلماذا لا يُمسح عن الإنسان بالسهولة نفسها؟ ولماذا يستطيع الشيء أن يعود إلى ما كان عليه، بينما يظل الإنسان مثقلاً بما تراكم في داخله، كأن الندوب فيه لا تعرف طريق الزوال؟
في تلك اللحظة، دخل طيفُ زائرٍ يحدثني كلما ضاق المكان بصمته. كان رجلًا مسنًا، يحمل في ملامحه تعبًا هادئًا لا يخلو من يقينٍ غامض، يذكرني بشيخي الصوفي. نظر إلى الأواني، ثم إليّ، وقال دون مقدمات:
— لا تنخدعي بالبريق.
سكت قليلًا، ثم أضاف:
— بعض الأشياء لا تلمع لأنها نظيفة، بل لأنها خبأت ما لا يُرى.
لم أفهم كلامه فورًا، لكن شيئًا ما في نبرته جعلني أعود إلى الأواني من جديد. اقتربت أكثر، وهذه المرة لم أرَ انعكاس الضوء فقط، بل رأيت خدوشًا دقيقة، وآثار استعمالٍ طويل، وملامح تعبٍ خفي لم يُمحَ بالكامل.
أكمل الرجل:
— الإنسان أيضًا هكذا. ليس ما يظهر عليه هو الحقيقة، بل ما تراكم داخله، وما لم يُغسل أبدًا.
خرجتُ من المستودع وأنا أحمل شعورًا مختلفًا. لم يعد البريق في عينيّ دليل نقاء، بل صار سؤالًا مفتوحًا:
هل نحن نُصبح أنقى حين نُمسح؟ أم أننا فقط نتقن إخفاء ما لا يُمسح؟
ومنذ ذلك اليوم، كلما لمعت أمامي الأشياء، تذكرت أن بعض البريق… ليس سوى طبقةٍ أخرى من الغموض.
12 مارس 2
021
فاطمة الجلاوي