
🖍️ نينا الأصلة العاصرة 🖍️
فاطمة الجلاوى
قصة قصيرة:
في الرابعة صباحًا من كل يوم، خلال تلك الأيام التي كان الخروج فيها محظورًا، كانت نينا تستيقظ كعادتها، بعد ليلة طويلة تاهت فيها الخطوات بين ظلالٍ لا تنام.
تغسل تعبها الروحي والجسدي تحت صنبور المياه الساخنة، وتغنّي بصوت خافت، كأنها تحاول أن تطرد شيئًا عالقًا في أعماقها. تصفف شعرها، وتضع بعض مساحيق الزينة؛ لا لتغيّر وجهها، بل لتخفي آثار سنوات لم ترحمها.
امرأة مطلقة في الأربعينيات، كانت تقطن بالشارع المجاور للحارة. تعيل طفلًا أصبح عمره يلامس العشرين، وقد رضع مرارة التشتّت والخِذلان. لم تولد نينا بهذه القسوة، لكنها تعلمت منذ وقت مبكر أن بعض الجراح، حين تُترك بلا علاج، تتحول إلى أقنعة ومخالب.
عرفت طريق التيه منذ سنواتها الأولى، بعد طلاق أمها من أبيها؛ فعاشت بين براثن زوجة الأب وقسوة المحيط. ثم ازدادت عزلتها بعد طلاقها، وهي تحمل طفلًا بين ذراعيها. كان الغياب أول معلمٍ قاسٍ في حياتها، وكانت تحاول أن تعوّض فراغها بطرق لم تمنحها إلا مزيدًا من التيه.
اسمها بعيد كل البعد عن الأمانة، يقترب شيئًا ما من اسم أصلة عاصرة؛ لذلك، وبما أنني أحاول أن أكون عادلة في الرؤية، سأسميها نينا.
كانت نينا هادئة الملامح، بشوشة حين تقترب من فريستها، تعرف كيف تنسج حول الآخرين خيوطًا لا تُرى. تبتسم ببراءة، وتحمل مسبحتها الإلكترونية في يدها، حتى يخال من يراها أنها تبحث عن الطمأنينة، بينما كانت تخفي وراء هدوئها أسرارًا لا تُقرأ بسهولة.
في ذلك اليوم، عند الرابعة صباحًا، تجاوزت نينا حدود المعقول، واتجهت إلى غرفة الطعام لتقديم الوجبة لأهل البيت العامر.
كانت ضحكاتها تصل من بعيد، حاملة معها صدى عالم مختلط بالرغبات والخيبات. هذا يعبر من هناك مثقلًا بخطئه، وذاك يختفي خلف باب مغلق، وآخر ينتظر دوره في مدخل ممرّ لا يعرف فيه أحد من يربح ومن يخسر… كلعبة قمار عتيقة، فلكل شيء ثمن.
التقينا في الممر المؤدي إلى القاعة.
رمقتني بنظرة باردة، وأتبعتها بضحكة ساخرة تحمل شماتة خفية. فهمت منها أن شيئًا ما دُبّر لي بين المنزلين؛ فقد كانت تضمر لي كراهية عميقة.
تفحّصت المكان كي لا أسقط أرضًا. رأيتها تعود من أمامي برفقة «العقرب الصفراء»، صديقتها ذات الملامح القاسية؛ عجوز شمطاء قصيرة القامة، ذات سحنة بيضاء تميل إلى الصفرة، سريعة الغضب، ورفيقتها في نصب الشراك.
كانت تمشي خلف نينا بخطوات بطيئة، تعرف طريق الفخاخ أكثر مما تعرف طريق الممرات، وكأن في دهائها مؤامرات مؤجلة تنتظر ساعة الانكشاف.
كانتا تحملان معًا أشياء لا ينبغي أن تكون هناك.
وضعت يدي في جيبي أبحث عن مفتاح المخازن، فأنا المسؤولة الوحيدة عنها داخل المكان، فاكتشفت أنني نسيت الباب مفتوحًا.
أسرعت الخطى حتى لا أفقد بعض الحاجيات… لكنني وصلت متأخرة، فوجدت الفراغ.
لقد مرّتا من هناك.
أدركت أنني وقعت في الكمين.
عندها فهمت أن الأمر لم يكن مصادفة، بل كمينًا محكمًا نسجته وشاية مدبّرة.
وقبل أن أستوعب ما حدث، قطعت الصمت رنّة الهاتف.
إنه المدير المفارق لاسمه؛ أحد الذين عرفوا دهاليز نينا المستترة، ولم يكن الأخير حسب ما يُروى.
كان صوته يضرب أذني بغضب، يدينني ويدافع عنها، وكأنه لا يرى سوى الوجه الذي اختارت أن تظهره له.
وتذكرت حازم، الرجل الذي حمل في ذاكرتي أسئلة أكثر مما حمل إجابات، فتساءلت في صمتٍ جريح: هل وقع حازم أيضًا في دائرة نينا المغلقة، أم أنه رأى فيها وجهًا آخر؟
نينا جميلة، هادئة…
امرأة يصعب أن تعرف أين ينتهي الوجه، وأين يبدأ القناع.
الخميس 31 يوليوز 2025