
لا مجال للهروب
قصة قصيرة
كان الأستاذ طويل القامة، ممتلئ
الجسم، ذا حضور طاغٍ وكاريزما آسرة. يدخل إلى القسم بثقة، ويقف أمام السبورة بزيه الرسمي وأناقتِه المعهودة.
يكتب تاريخ اليوم:
02 أكتوبر 1979
ثم يضيف عنوان الدرس:
“لا مجال للهروب”
وفجأة…
تُسمع فرقعة كبيرة.
يختبئ التلاميذ تحت الطاولات، ويهرع المدرس إلى الخارج، هاربًا من القصف الذي استهدف الثكنة العسكرية القريبة من الثانوية.
تلتهم النيران خزان البنزين، ويرتفع الدخان كسحب سوداء تظلل المدينة.
يتعالى صراخ الطلبة…
وأنا أقبع تحت الطاولة، عاجزة عن الحركة.
كانت ساقاي تصابان بشلل مؤقت كلما داهمني الخوف من القصف، وكأن الرعب كان يسرق مني القدرة على الفرار.
عيناي جاحظتان، تتشبثان بالمشهد من خلف الزجاج:
جندي يلفظ أنفاسه الأخيرة فوق بناية الثكنة، وهو يحاول ملء خزان المياه…
يتوالى القصف بنغم غريب:
اثنتا عشرة قذيفة — ربع ساعة من الصمت — ثم اثنتا عشرة قذيفة أخرى.
سماء المدينة تدفن طيورها، والماعز تهرول في اتجاه الناجين.
وحتى الحيوانات الأليفة بدت وكأنها تشارك الإنسان فزعَه.
الشوارع المهجورة تؤثثها الأجساد المتناثرة، وفي لحظات الصمت المرعب تزغرد القذائف في السماء.
ينبطح الجميع على بطونهم، ينتظرون لحظة الموت…
يمر سرب القذائف، فينجو من ينجو، ويلقى آخرون حتفهم.
التلاميذ يسابقون الهرب، وأنا ما زلت قابعة تحت الطاولة، الرعب يشل أطرافي، ولا أستطيع المشي.
أما الأستاذ، فقد ابتلعته لحظة الرعب مثلنا جميعًا، ولم نعد نرى له أثرًا.
بين عويل البنات وصراخ الأولاد وضجيج القذائف، أدفن رأسي بين يديّ، وأعاتب عيوني على جفافها.
تفر مني الحروف، وأنتظر قدري…
كل من في الفصل رحل، غير تلميذ واحد نال منه الرعب، فكفن رأسه بعلم البلاد، وهو يرتعش، كأنه يستمد من العلم قوة لا يملكها، ويردد:
“نحن فداءك يا وطني…”
بعد ساعات من الموت البطيء، يخترق السماء هدير طائرات الميراج. نلتقط أنفاسنا، ونحس بأن خيطًا واهنًا من الأمان يعود إلينا.
وفي زخم الدخان والأصوات، يظهر أبي بعينيه الجاحظتين، وهو يناديني…
يرفعني من تحت الطاولة، ويحتضنني بقوة، وأنا أبكي بين يديه.
كان ذلك اليوم جرحًا صغيرًا في عمر طفلة، لكنه بقي ندبة في ذاكرة امرأة، لا تمحوها السنوات.
فاطمة الجلاوي
02 أكت
وبر 2025
من ذاكرة طفولة لم يطفئها الزمن.