
🖍️ في مملكة الفوضى🖍️
قصة قصيرة
في مملكة الفوضى، حيث كانت الفيضانات تغزو المكان، كانت الجبال والمنحدرات الوعرة تسجن رغبتي في الانطلاق.
كانت الغيوم تحجب السماء، والمياه قد استوطنت جميع المسالك، فثار السكون على صمت الوديان القاحلة.
وبينما كنت أحاول العبور بدراجتي النارية إلى موطن أبصر فيه ذواتي الخفية، فاجأتني أفواج من أمواج غاضبة تجرف كل ما يعترض سبيلها، فتراجعت إلى الوراء، أحتمي تحت ظل حرف كبير يؤمّن خوفي.
كان المكان غير بعيد من ذاكرتي؛ حيث لا ممر للعبور إلا طريق الجلاء.
الوصول إلى القمة عبر المسالك الوعرة شبه مستحيل، وأشد ما يغريني في الحياة هو العناد لكسر جبروت الأنا في دواخلي.
بقدر ما يعجبني المتنبي عند قوله:
“أنا من نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم”
أذوب في كلمات شمس التبريزي، وفي إحدى قواعد العشق الأربعين، حيث يلتقي التخلي والتجلي؛ وما كُتب عن التحرر من أسر الأنا، ذلك الطريق الأصعب نحو الحرية الروحية.
الوصول نقطة عودة…
والعشق قمة…
والحرية مكسب.
هنا، تحت ظل الحرف الكبير، يقف جبروت طيف ذلك الرجل؛ خطًا فاصلًا يرسم معالم عشق مطلق.
تتداعى ذاكرتي أمام ذلك الرجل، بطاقة جبارة كجبل يتحرك غاضبًا، وهو يمر من جانبي يحمل سبحته… كان وقع خطواته قويًا، جعلني أتساءل عن سبب غضبه المكبوت الذي فجّر طاقة المكان بصمته.
لم أكن أبحث عن كلماته بقدر ما كنت أبحث عن الصدى الذي تركه صمته في أعماقي.
كان شوقي إليه أكبر من أن ألومه على عدم الوقوف ورد التحية.
فانزويت في ركن داخلي، أستحضر معنى من معاني جلال الدين الرومي:
“ليس العشاق يلتقون في مكان ما في النهاية، فهم في داخل بعضهم البعض منذ البداية.”
لن أنكر أنه غامض كالشفق، وقوي كالبركان، لكنني عشقت ذلك الحضور المدوي في أعماقي؛ الحضور الذي جعل لحياتي معنى خاصًا في ملكوت العشق.
لا مجال فيه للمنطق، على رأي جلال الدين: مرحبًا بالجنون…
جنونٌ ينظم حروفه، ويجمع التيه في حضن دميتي الصغيرة التي ترافقني كل ليلة.
تدحرجت صخرة صماء من أعالي الجبال، واستقرت في عمق الوادي، فبدت تضاريسه كأنها بطن الأرض تحمل سرًا لم يولد بعد.
جرفت معها دراجتي العتيقة التي شهدت تعب سنين شقاء من عمري.
وأنا ما زلت أتشبث بظل الحرف الكبير، ليس طلبًا للنجاة من الأمواج فقط، بل وجدت سؤالًا كان يرافقني منذ البداية:
هل كنت أبحث عن طريق النجاة، أم عن نفسي التي ضاعت في الطريق؟
للمرة الأولى، لم أعد أخشى المياه التي تحاصرني، بل خفت من أعماقي المتجذرة التي لم أجرؤ على سبر أغوارها.
الأبجدية حد فاصل بين الجهل والنور، وهذا حرف من نور يضيء عتمتي.
وذلك الطيف عجيب كظلي؛ يرافقني دون أن أستطيع الإمساك به، يبتعد حين أبحث عنه، ويقترب حين أستسلم للصمت.
حضور لا يُقاس بالقرب، بل بالأثر الذي يتركه في الروح.
عجبتُ لنفسي المتمردة التي راودتني على الجلاء، ودفعتني إلى احتضان الصخرة في قعر الوادي، كأنني دايةٌ تشهد لحظة الميلاد الأولى لسر الصخرة الصماء.
اقتربتُ من الصخرة بوجل، ووضعت يدي على سطحها البارد، فإذا بصوت الرعد ينفجر من أعماقها كصاعقة تشق المجال نصفين، وتتوالى ضربات البرق في السماء.
شعرتُ كأن نبضًا خفيًا يسكن أعماقها. لم تكن صماء كما ظننت؛ كانت تحفظ صمتًا طويلًا ينتظر لحظة البوح.
وفجأة، انشق فيها شق صغير، كأنه فم يتعلم بداية النطق، وخرج منه حرف مضيء، كأنه وُلد من رحم العتمة.
لم أعرف هل كان حرفًا من الأبجدية، أم حرفًا من اسمي الذي أضعته بين طرقات العمر.
أدركتُ حينها أن الحرف الكبير لم يكن ظلًا احتميت به، بل كان دعوة للعبور من جهلي إلى نوري؛ وأن الصخرة التي ظننتها نهاية الطريق كانت تخفي بداية الرحلة.
لم أكن أبحث عن النجاة من الفيضان، بل عن الكلمة التي تعيد ترتيب فوضاي الداخلية.
وأنا أنظر إلى الحرف المضيء، سرت قشعريرة في جسدي، كأن نوره لم يبدّد عتمة المكان، بل أضاء المسافة الخفية التي تفصلني عن نفسي.
عندها فهمت أنني لم أكن أهرب من الفيضان، بل كان الفيضان يغسل عن روحي طبقات الوهم التي ترسبت في أعماقي، ويرتب فوضى ظلت عالقة في داخلي.
فالصخرة لم تكن عائقًا في طريقي، بل كانت مرآة صامتة كسرت قيد الأنا لأرى حقيقتي.
أما ذلك الرجل الذي ظننته يسكن خارجي، فقد كان الوجه الآخر الخفي مني؛ الجزء الذي ظللت أهرب من مواجهته طوال الطريق.
ابتسمتُ، ورفعت نظري إلى طيفه الذي ظل يلاحقني، ثم قلت له:
لا داعي للبوح…
فأنت تعرف الجلاء.
والطريق إليك لم يكن سوى
طريق العودة إليّ.
فاطمة الجلاوي
11 مارس 2026