العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

بقايا الضوء

0

 

قصة قصيرة

 

 

 

في زاويةٍ من زوايا الصمت، جلست هجر تترقّب تهجّد ذلك الرجل المتغطرس في عالمه العجيب، كأنها تراقب فكرةً أكثر منها إنسانًا، وتنتظر اكتمال ظلٍّ لا يكتمل.

كان شهر يونيو، شهر الانقلاب الصيفي، حيث يميل الضوء نحو ذروته كأنه يختبر حدود احتراقه.

في ذلك الشهر، لم يكن عيد ميلادها بعد الخمسين مجرد رقم، بل لحظة عبورٍ خفيّة نحو ما بعد الزمن؛ حيث تبدأ الأشياء في فقدان أسمائها وتكتسب معانيها العارية.

أحضرت شموعها بين يديها ومقصًّا صغيرًا، لا لتزيينها، بل لترويض النار داخلها كما يفعل طائر الفينق.

فالشمعة عند هجر لم تكن احتفالًا، بل كائنًا هشًّا يحمل مصير الاحتراق في صمته، تمامًا كالعمر حين يُضاء ليُستهلك.

كانت تقصّ أطرافها الملونة كأنها تعيد تشكيل الزمن، وتهمس في سرّها أن الاحتراق ليس نهاية، بل طريقة الوجود الوحيدة التي يعرفها الضوء.

في الغرفة، كرسيٌّ مزخرفٌ أنيق لم يكن فارغًا تمامًا؛ فقد استحضرت هجر عليه طيف رجلٍ يُدعى حازم، لا بوصفه غيابًا، بل بوصفه احتمال حضورٍ تأخر عن جسده.

حازم لم يكن شخصًا فقط، بل طبقةً أخرى من المعنى، شيءٌ يمرّ في الحياة كما يمرّ الضوء في زجاجٍ لا يُكسر.

فوق الطاولة البسيطة في ذلك المنزل الصغير، الذي احتفظ بذاكرة خطواته العابرة، حيث جلس ذات مساء، وترك وراءه صدى حضوره أكثر مما ترك كلمات.

بدت الأشياء وكأنها تتذكر أكثر مما تتزيّن. بصمتِ المكان، الجدران تحفظ صوته، والهواء يرفض نسيان مروره.

كانت هجر قد تزيّنت ببساطة، كأنها لا تحتفل بذكرى بل تُعيد ترتيب علاقتها بالزمن.

قفطانها الأبيض لم يكن لباسًا، بل محاولةً لتهدئة ما تبقّى من الداخل.

جلست القرفصاء أمام صينية الشموع، وإلى جانبها زهور القرنفل والعنبر وباقات من الأوركيد، وبدأت تقصّ الشموع كما لو أنها تفكّك سيرتها الخاصة، طبقةً طبقة.

مع كل قطعة، كانت تدندن بإحدى قصائدها الحزينة، وكان الزمن يسقط على الأرض دون صوت، وكأنها تُفرغ العمر من شكله لتُبقي جوهره فقط.

وحين اشتدّ الضوء في الغرفة، لم تعد النار مجرد عنصرٍ فيزيائي، بل تحوّلت إلى سؤال: هل نحن من نُشعل الحياة، أم أنها تشتعل بنا؟

ومن حينٍ لآخر، كانت تنظر إلى طيف حازم الجالس على الكرسي، فتدرك أن الغياب ليس فراغًا، بل شكل آخر من الحضور لا يملك جسدًا ليُثبت نفسه.

وحين أنهت طقوسها، لم تُطفئ الشموع، بل تركتها تصل إلى حدّها الطبيعي، كأنها تسمح للزمن أن يقول كلمته الأخيرة.

وضعت شمعةً واحدة أخيرة، لا كهدية، بل كاعترافٍ مؤجّل، وقدّمتها لطيف حازم، لا بوصفه رجلًا أحبّت روحه، بل بوصفه الفكرة التي لم تكتمل في العالم الواقعي.

ابتسم الطيف، لا لأنه أصبح حاضرًا، بل لأنه لم يعد بحاجة إلى أن يكون جسدًا كي يُفهم.

ومضى اليوم بلا ضجيج، لكن الغياب هذه المرة لم يمرّ… بل بقي، كأنه أصبح جزءًا من الجلوس نفسه.

كانت الغرفة تهدأ ببطء، والشموع تقترب من نهايتها كأنها تُغلق كتابًا لم يُكتب بالكامل.

وحين انحنى الضوء الأخير، شعرت هجر أن شيئًا ما في الداخل لم يعد يحتاج إلى الانتظار.

اقتربت من الكرسي المزخرف حيث يجلس طيف حازم، كما اعتادت،

لكن الطيف هذه المرة لم يكن ثابتًا كما في السابق؛ كان يتردد، يتكسّر، كأنه يفقد يقينه بالوجود.

همست له هجر، دون أن تدري أهي تخاطبه أم تخاطب نفسها:

«هل لازلت هنا…

أم أنك اخترت فلسفة الاحتراق؟»

في تلك اللحظة، ارتجّت الشمعة الأخيرة.

لم تسقط، لكنها انطفأت من تلقاء نفسها، كأنها اختارت الصمت بدل الاحتراق.

وانطفاء الضوء لم يُنهِ المشهد… بل كشفه.

فقد رأت هجر الكرسي فارغًا من حازم.

لا ظلّ، لا رجل، لا طيف.

كل ما كان هناك… هو جسدها هي، جالسًا منذ البداية أمام نفسه، يستدعي صورةً اسمها حازم كي لا يواجه فراغه وحده.

تراجعت خطوة، ثم فهمت شيئًا لم تكن تبحث عنه:

أن الطيف لم يكن يأتي من الغياب… بل من الحاجة.

وأن الشمعة لم تكن تحترق لتضيء الغرفة،

بل كانت تحترق لتُبقي وهم الحضور حيًّا لوقتٍ أطول من الحقيقة.

اقتربت من الطاولة، لم تلمس شيئًا.

لكنها ابتسمت ابتسامة لا تشبه الفرح ولا الحزن، بل تشبه من أدرك أن الأسئلة لا تحتاج إلى إجابة كي تنتهي.

ثم قالت بصوت منخفض، كأنها تخاطب النار نفسها:

«الآن… فهمتُ لماذا لا تملك الشمعة رمادًا.»

وخرجت من الغرفة، تاركةً الضوء الأخير

 

في ذاكرة المكان.

 

فاطمة الجلاوي

14 يونيو 2026

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار