
حين تبتسم الخديعة
قصة قصيرة
في مدينةٍ لا تُرى إلا بقدر ما تُخفيه جبالها ومعالمها التاريخية، كان الربيع يشبه احتمالًا لم يكتمل.
الأشياء فيها لا تبدأ من البداية، بل من أثرها المتأخر.
كانت هجر تمشي بجانب سميرة، كأن الضوء اختار أن يتجسّد في شكلين مختلفين لامرأة واحدة.
الأولى تمضي خفيفة كيقينٍ لا يسأل عن نفسه،
والثانية تمشي كظلٍّ يعرف أكثر مما ينبغي، لكنه لا يملك القدرة على التشكّل.
في الجهة الأخرى من الطريق، مرّ رجلٌ لا يُعرف هل جاء من الخارج أم من فراغ الفكرة، لكنه على ما يبدو غريبٌ عن الديار.
توقف لحظة أمام هجر، كأن الزمن أعاد ترتيب مساره ثم تردّد.
مبتسمًا.
ثم ترك رقمًا في الهواء قبل أن يختفي في اتجاهٍ لا يُحدَّد.
لم تقل سميرة شيئًا.
لكن وجهها تجهم وانحنى قليلًا، كأن ذاكرةً قديمة فقدت توازنها.
ومنذ تلك اللحظة، لم تعد الأشياء كما هي؛ كأن الشيفرات انزلقت من معناها.
قالت سميرة، لا كصوتٍ بل كفكرةٍ تمرّ بينهما:
“لو كُتب لكِ أن تختاري… فاختاري جيدًا.”
كانت الجملة تشبه المزاح، لكنها في حقيقتها محاولةٌ لشدّ الضوء نحو مكانه الأصلي قبل أن يهرب.
ومع ذلك، اختار الضوء طريقه.
مرّت الأيام، لا كزمنٍ بل كتحوّلٍ غير مرئي، حتى جاء النداء.
لم يكن صوتًا بقدر ما كان قرارًا يُلقى في الفراغ:
“أريدكِ.”
لم تسأل هجر عن الأسباب،
لأن الأسباب كانت قد انفصلت عن أفعالها منذ البداية.
في مكانٍ آخر، كانت سميرة تقف أمام مرآةٍ لا تعكس وجهًا بقدر ما تعكس سؤالًا معلّقًا:
لماذا يمرّ المعنى دائمًا من هنا دون أن يستقر؟
لم تكن ضد هجر،
بل كانت ضد الطريقة التي يتوزع بها النور، كأنه لا يعرف العدالة.
ومن هنا بدأت الكتابة.
لم تكن رسائل،
بل إعادة صياغةٍ للعالم كما يجب أن يكون، في نظر ظلٍّ لم يُعترف به.
في لحظة الاحتفال، كان الضوء مكتملًا.
كل شيء في مكانه، كأن العالم قرر أن يصدق نفسه.
ثم انقطع شيءٌ صغير لا يُرى.
ليس حدثًا، بل احتمالًا تغيّر اتجاهه.
“لن يكتمل.”
لم يكن الرفض جملة، بل انزياحًا في الحقيقة.
وتحوّل الفرح إلى سؤالٍ لم يُطرح.
بعد ذلك، لم تعد سميرة موجودة بالطريقة نفسها.
لم تختفِ، بل خرجت من شكلها الاجتماعي، وبقيت أثرًا في الذاكرة.
مرّ زمنٌ لا يُقاس.
ثم عاد الصوت من مكانٍ لا يشبه الماضي ولا المستقبل:
“لم تكن الحقيقة كما قيل.”
لكن الحقيقة، في ذلك العالم، لم تكن شيئًا واحدًا أصلًا؛
بل كانت طبقاتٍ تتبادل مواقعها، حتى لا يعود أحدٌ يعرف من كتب ماذا، بحبرٍ لا يُمحى.
سقطت الفكرة داخل هجر، لا كألم، بل كتشقّقٍ في صورةٍ كانت تظنها صلبة.
الابتسامة الأولى…
الاختيار الأول…
الظلّ الذي لم يُفهم…
والكلمات التي بدت كأنها قيلت من فمٍ واحد، بينما كانت تُكتب من أكثر من يد.
لم تبكِ؛
فالدموع، في مثل هذا النوع من الإدراك، تأتي متأخرة دائمًا.
فقط قالت، وكأنها تخاطب معنى لا شخصًا:
“حتى الخديعة… كانت تبتسم.”
ثم صمتت.
ومنذ ذلك الحين، لم تعد الابتسامات تُقرأ كطمأنينة،
بل كاحتمالٍ فلسفيّ.
فالمرآة لا تعكس الحقيقة، بل تعكس الط
ريقة التي نرغب أن نُخدع بها.
فاطمة الجلاوي
28 نونبر 2020