
شروق فوق الأنقاض
: فاطمة الجلاوي
قصة قصيرة :
في أمزميز، حيث تتكئ الجبال على صمتها القديم، كانت هجر تستيقظ على ليلٍ باردٍ لا ينتهي داخلها.
لم تكن العتمة في الخارج بقدر ما كانت في ذلك الشيء الغامض الذي يثقل صدرها دون اسمٍ يُذكر.
تلتحف بغطاءٍ صوفيٍ أنهكه البقاء، والغرفة الضيقة بسعتها الروحية لا تتسع سوى لصوت أنفاسها، كأنها تُصغي إلى نفسها الشقية من بعيد.
حولها كانت الكلاب تحرس الصمت: ميكوس، صطروفولينو، إيتو، مالي، كاشو، شان، ضوغة، تشيتشو، لوبو، فان.
لم تكن مجرد أسماء، بل نظامًا خفيًا للطمأنينة.
في الخارج، لم تكن الطبيعة أقل يقظة.
كأن الكائنات جميعها تُصغي لشيءٍ لا يُرى بعد.
إوزّ، دجاج، ماعز، بقر، سلاحف، قنافذ… وحتى فيليبو، ذلك الحمار الذي يبدو كأنه يختزن دهشة العالم في عينيه، كان ساكنًا على نحوٍ غير مألوف.
جلست هجر، لا لتتحدث، بل لتُفرغ ما لم يعد قابلًا للحمل:
عن غيابٍ لم يُعلن نفسه رحيلًا،
وعن وعدٍ ظل عالقًا بين الاحتمال والخسارة.
كانت الكلمات تخرج منها كأنها لا تخصها.
والكلاب تنظر، كأنها تفهم ما لا يُقال أصلًا.
ثم حدث ما لا يسبق نفسه.
لم يكن انفجارًا فقط… بل انقطاعًا في نسيج الليل.
تلاشى الصمت دفعةً واحدة، كما لو أنه لم يكن موجودًا.
ثم اشتعلت الأرض.
لم تُشاهد النار أولًا، بل شُعرت بها كاهتزازٍ في الهواء، كارتباكٍ في الوجود.
«يا لطيف…»
خرجت الكلمة بلا اكتمال، ثم ابتلعتها المسافة.
وقفت هجر.
لكن الوقوف هنا لم يكن فعلًا جسديًا، بل لحظة مواجهة.
أمام النار، لم تكن تفكر في الضيعة، ولا في الخسارة، بل في ذلك الخيط الرفيع الذي يفصل الأشياء عن زوالها.
ركضت بعزمٍ شديد نحو براميل الماء التي أعدتها سابقًا لسقي الأشجار، فتحولت إلى مقاومةٍ عبثية، لكنها وحيدة.
كانت تصبّ الماء كما لو أنها تحاول إقناع النار بالتراجع عن فكرة.
النار لم تكن تحترق فقط،
كانت تمحو المعالم.
وحين خفتت ألسنة اللهب، لم تكن النهاية انتصارًا.
كانت إنهاكًا.
سقطت هجر، لا على الأرض، بل داخلها.
لكن شيئًا ما لم يسمح لها بالانطفاء تمامًا.
الكلاب كانت هناك.
لا وفاءً بمعناه البسيط، بل كأنها تُعيد ترتيب العالم حول جسدٍ فقد توازنه.
قادتها عبر الركام إلى الغرفة التي بقيت واقفةً بالصدفة.
الصمت هذه المرة لم يكن قاسيًا.
كان نقيًا بشكلٍ يربك الذاكرة.
مع أول خيطٍ للفجر، لم يكن الرماد نهاية المشهد، بل مادته الجديدة.
رفعت هجر رأسها.
لم تعد تسأل.
النظر وحده كان كافيًا.
كأن العالم، بعد أن احترق، تخلّى عن زيفه.
وفوق الأنقاض، بزغ شروقٌ لا بدّ منه…
شروقٌ يحمل معنى العشق الصادق، ذاك الذي تفهمه الحيوا
نات بلغة العيون.
10 ماي 2023