العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

لا أحد معي سوى قلمي والملح

1
هناك وحدة أثقل من الجبال، وأقسى من المنفى: وحدة من يكتب لشعبه رسائل عشق، فيردّ عليه بالحجارة والنفي.
كلماتي لم تولد من نزوة امرأة تبحث عن ضجيج. هي نتاج وجع مؤرَّخ، وحُمّى حقيقة لا تقبل المساومة، وصرخة قيم إن لم يتشبث بها شعب، تآكل من الداخل كما تأكل العثة الثوب.
لم أختر طريق الصمت لأنه مريح، ولا اخترت النسيان لأنه يغري. اخترت أن أنطق حيث سكت الجميع، وأن أرمّم ما تركوه خراباً يليق بذاكرتهم.
ومع ذلك، كان الجحود وحده هو المطر الذي سقاني عقاباً. عقاب يزداد قسوة لأنه يأتي من الأيادي التي نذرت لها القلم حتى نزف.
تفوقت حيث تعثرت خطاهم، ووقفت حيث استسلمت ظهورهم، وتلك خطيئة لا تُغتفر.
في وطننا، حيث يصبح الاختلاف تهمة مهما كان المعنى، وتصبح البصيرة خيانة موصوفة.
في ذاكرة مثقلة بقيود الاستعمار، شعوب يُفزِعهم الإنسان الحر. لأنه مرآة لا تكذب، تذكّر كل فرد منهم بالنسخة الأجمل منه، النسخة التي خاف أن يكونها، واختار أن يدفنها جبنا وخوفا وكسلا.
إنها مأساة مزدوجة؛ مأساة نفسية وسياسية.
الشعب الذي ذاق طعم الإستعمار يتعلّم أن يشك في نفسه، ثم يتعلم أن يشك في كل من يرفض أن يشك معه.
يخلط بين النقد والطعن، وبين الحقيقة والإهانة. فيرفع يده ليضرب من مدّ إليه المرآة.
ويختار دفء الهزيمة الجماعية، على برد الكرامة التي تحتاج إلى شجاعة فردية.
ما أقسى أن أحارب وحيدة من أجل مبادئ ليست ملكي، بل ملكهم هم.
العدل، وحرية الفكر، والذاكرة، والمسؤولية… ليست رفاهية يترف بها المثقفون في المقاهي. هي الأعمدة التي إن انهارت، لم يبق من الوطن إلا اسم بلا جسد، وتجمعات بلا روح.
ومع ذلك، كنت من الذين يحملون هذا السقف المتصدع على أكتافهم، بينما تنهال عليهم حجارة من يحاولون إنقاذهم.
يا له من مشهد حزين. ابن يحب أمه حدّ القداسة، يأبى أن يكذب عليها حتى لا يخونها، فيُرمى خارج البيت لأنه صدق.
ويا له من قدر عبثي. كاتب يصبح غريباً في وطنه، لا لأنه باعه، بل لأنه رفض أن يبيعه مهما كانت المغريات.
الشعوب بطيئة الفهم، لكنها في النهاية تفهم.
المشكل انها تفهم دائماً بعد فوات الأوان.
بعد فوات الأوان على شكر أولئك الذين وقفوا وحدهم، واقلامهم مرفوعة كالسيوف، وسط صمت الجميع.
د. ليلى الهمامي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

تعليق 1
  1. Nevaeh4251 يقول

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار