العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

100 يوم على عودة وزارة الإعلام.. تقييم تجربة ضياء رشوان بين التأسيس واختبار التطوير

0

 

 

بقلم: د. عصام مصيلحي

 

يمثل تقييم المئة يوم الأولى للكاتب الصحفي والمفكر السياسي ضياء رشوان في منصبه وزيرًا للدولة للإعلام محطة مهمة لقراءة ملامح المرحلة الإعلامية الجديدة في مصر، خصوصًا أن توليه المسؤولية في التعديل الوزاري الأخير في فبراير 2026 جاء ليعيد وزارة الإعلام إلى المشهد بعد غياب استمر خمس سنوات.

 

وجاء رشوان إلى الوزارة بخبرة واسعة في المجالين الصحفي والإعلامي، اكتسبها من خلال رئاسته للهيئة العامة للاستعلامات، وإدارته لمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، ودوره منسقًا عامًا للحوار الوطني، فضلًا عن توليه منصب نقيب الصحفيين لعدة دورات.

 

ومن ثم، فإن تقييم تجربته خلال المئة يوم الأولى لا ينبغي أن يتوقف عند حجم الحضور الإعلامي أو عدد التصريحات، وإنما يجب أن يبحث في سؤال أكثر أهمية: هل بدأت الوزارة بالفعل في وضع أساس جديد للمنظومة الإعلامية المصرية؟

 

العودة المؤسسية.. ترتيب البيت من الداخل

 

يمكن النظر إلى المئة يوم الأولى باعتبارها مرحلة تأسيسية استهدفت إعادة الوزارة إلى المشهد وترتيب موقعها داخل منظومة إعلامية تتعدد فيها الهيئات والاختصاصات.

 

وفي هذا السياق، برز الاهتمام بملف الفضاء الرقمي، خصوصًا في ظل تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي وانتشار المحتوى غير المنضبط، وما يصاحبه أحيانًا من شائعات أو تشهير أو تنمر أو إساءة استخدام للمنصات.

 

وقد اتجه الخطاب الرسمي إلى التأكيد على أهمية الاستخدام المسؤول للفضاء الرقمي، والتوعية بالضوابط القانونية المرتبطة بالنشر وصناعة المحتوى، مع التأكيد على مواجهة الجرائم الإلكترونية بالتنسيق مع الجهات والمؤسسات المعنية.

 

لكن التحدي هنا أكبر من مجرد التحذير أو المواجهة القانونية؛ فالعالم الرقمي يحتاج إلى سياسة إعلامية متكاملة تجمع بين التوعية، وسرعة الاستجابة، والتحقق من المعلومات، وإنتاج محتوى رسمي قادر على المنافسة في البيئة الرقمية.

 

ضياء رشوان.. حضور قوي في إدارة الأزمات

 

من واقع خبرته السابقة في إدارة ملف الإعلام الخارجي للدولة، برز حضور ضياء رشوان في الملفات التي تتطلب ردًا سريعًا ومباشرًا على التقارير أو المعلومات التي تمس الدولة المصرية أو قضايا الأمن القومي والاقتصاد والأزمات الإقليمية.

 

وقد ظهر ذلك في المشاركة والحضور خلال المؤتمرات والفعاليات الصحفية، وفي التعامل مع بعض التقارير الأجنبية والمعلومات المتداولة التي تحتاج إلى توضيح أو تصحيح.

 

وهنا يمكن القول إن أحد أبرز عناصر القوة في تجربة رشوان هو القدرة على التعامل مع الأزمات الإعلامية والسياسية بلغة هادئة ومباشرة، تجمع بين الحضور المهني والرسالة الرسمية.

 

لكن إدارة الأزمة، مهما كانت أهميتها، تظل جزءًا من العمل الإعلامي وليست كل العمل.

 

فالإعلام القوي لا ينبغي أن ينتظر الأزمة حتى يتحرك؛ بل يجب أن يمتلك القدرة على استباقها بالمعلومة الصحيحة والتحليل الموضوعي والمحتوى الذي يشرح للمواطن ما يحدث قبل أن تملأ الشائعات الفراغ.

 

فجوة الخطاب.. عندما يصطدم التصريح بالشارع

 

لم تمر المئة يوم الأولى دون جدل أو انتقادات.

 

ومن أبرز الملفات التي أثارت نقاشًا واسعًا بعض التصريحات المتعلقة بالمقارنة بين مستويات المعيشة والحد الأدنى للأجور في مصر وبعض الدول الأوروبية، ومنها فرنسا، من زاوية القوة الشرائية لبعض السلع الأساسية.

 

وقد رأى منتقدون أن مثل هذه المقارنات لا يمكن أن تكون دقيقة دون النظر إلى الصورة الاقتصادية الكاملة، بما فيها التضخم، وأسعار الخدمات، وتكاليف السكن، ومستويات الدخل، والاختلافات الكبيرة في طبيعة الحياة بين المجتمعات.

 

وهنا تظهر قضية أعمق من التصريح ذاته، وهي الفجوة بين الخطاب الرسمي وإحساس المواطن بواقعه اليومي.

 

فالمواطن لا يقيس الاقتصاد بالأرقام وحدها؛ وإنما يقيسه بما يستطيع أن يشتريه من راتبه، وما يتبقى له بعد السكن والطعام والمواصلات والتعليم والعلاج والالتزامات اليومية.

 

ولذلك، فإن الخطاب الإعلامي الناجح يحتاج إلى الاقتراب من الواقع كما يشعر به المواطن، لا كما تبدو المؤشرات على الورق فقط.

 

التقييم.. خطوة إلى الأمام، لكن الطريق أطول

 

بعد مئة يوم، يمكن القول إن تجربة ضياء رشوان تمثل خطوة مهمة في إعادة حضور وزارة الدولة للإعلام إلى المشهد، خصوصًا على مستوى الحضور المؤسسي والتعامل مع الأزمات والتنسيق في الملفات الإعلامية.

 

لكن التحدي الأكبر يبدأ من هنا.

 

فالمرحلة المقبلة يجب ألا تظل أسيرة رد الفعل، أو مواجهة الشائعات، أو الرد على التقارير الخارجية، وإنما ينبغي أن تنتقل إلى مشروع تطوير إعلامي متكامل.

 

نحتاج إلى رؤية واضحة لمستقبل الإعلام المصري، وإلى تطوير المحتوى، وتعزيز التحول الرقمي، وتدريب الكوادر، والاستفادة من الذكاء الاصطناعي وإعلام البيانات، وبناء منصات قادرة على الوصول إلى الشباب بلغتهم وأدواتهم.

 

كما نحتاج إلى إعادة النظر في العلاقة بين الإعلام والجمهور.

 

فالمواطن اليوم لا ينتظر نشرة التاسعة، ولا يعتمد على مصدر واحد للمعلومة. أمامه عشرات المنصات والمصادر في اللحظة نفسها.

 

ومن ثم، فإن المنافسة لم تعد بين قناة وقناة، أو صحيفة وصحيفة، وإنما أصبحت بين المعلومة الموثوقة والمعلومة المضللة.

 

وهنا تصبح استعادة الثقة هي المعركة الأهم.

 

الثقة لا تُبنى بالتصريحات، وإنما بالدقة والشفافية وسرعة التصحيح واحترام عقل المواطن، والقدرة على الاعتراف بالخطأ عندما يحدث، وتقديم المعلومات في الوقت المناسب.

 

من الـ100 يوم الأولى إلى الـ100 يوم التالية

 

ربما تكون أفضل طريقة للحكم على تجربة الوزير ألا نسأله فقط: ماذا أنجزت خلال المئة يوم الماضية؟

 

بل أن نسأل أيضًا:

 

ماذا تريد أن تفعل خلال المئة يوم المقبلة؟

 

فإذا كانت المرحلة الأولى قد انشغلت بتأسيس الوزارة وترتيب موقعها داخل المنظومة الإعلامية، فإن المرحلة التالية يجب أن تبدأ فيها ملامح رؤية إعلامية مصرية واضحة.

 

رؤية لا تكتفي بإدارة الأزمات، وإنما تصنع المحتوى.

 

لا تكتفي بمواجهة الشائعات، وإنما تمنع الفراغ المعلوماتي.

 

لا تكتفي بالحضور في المؤتمرات، وإنما تصل إلى المواطن على هاتفه ومنصته التي يختارها.

 

ولا تكتفي بالحفاظ على ما هو قائم، وإنما تستعد لما هو قادم.

 

يا وزير الإعلام.. المئة يوم الأولى كانت مرحلة تأسيس، أما الاختبار الحقيقي فهو ما ستفعله الوزارة بعد أن أصبح لها مكانها وصوتها في المشهد.

 

الإعلام المصري يمتلك تاريخًا طويلًا، وخبرات متراكمة، وطاقات بشرية، وأرشيفًا يمثل ذاكرة وطن.

 

والمطلوب الآن هو تحويل هذه الثروة إلى مشروع إعلامي حديث يستعيد ثقة المواطن، ويخاطب الشباب، ويواجه الشائعة بالمعلومة، ويستخدم التكنولوجيا دون أن يفقد المهنية، ويجعل من الإعلام المصري قوة ناعمة قادرة على المنافسة داخل مصر وخارجها.

 

فنجاح عودة وزارة الإعلام لن يقاس فقط بعودة اسمها إلى المشهد، وإنما بقدرتها على الإجابة عن السؤال الأهم:

أي إعلام نريد لمصر في السنوات الخمس المقبلة؟

وهنا تحديدًا يبدأ التقييم الحقيقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار