من قصة الصراع بين المهاجرين والأنصار إلى الفتنة الكبرى، وصولا إلى إنهيارات الأمويين والعباسيين وسقوط غرناطة، إلى اليوم، لم نستوعب دروس التاريخ.
نحن نعادي تاريخنا لأننا نعتقد أننا فوق كل حتمية وأننا فوق كل سبب. فنحن أبطال “الفتح” الذين هزموا أعتى الجيوش وأعظمها ونحن توسعنا في الجغرافيا بحد سيفنا وقرآننا وغنائمنا…
تاريخُنا مدّ وجزر، اكتساح عسكري ضارب لحضارات غنية بالعلم والفلسفة والفنون فتَّتت العقل القرآني فحوّلته إلى عش نبَتَتْ فيه مِللٌ ونِحل فجرت وحدة الأمة وأحالتها إلى أجزاء وأشلاء متناحرة.
نحن في وضع غريب، نجمع فيه بين مهزومية المنكسر المغزو ونشوة المنتصر الفاتح… لم نكن نعلم أننا، في انتصارنا، لم نكن نقدر على إدامة السيادة والسلطان.
لم يبقَ من تاريخنا إلا شواهد الآثار في اشبيلية، وفي الباب العالي، وفي مزارع سيسيريا وفي بعض المعابر في اوروبا الشرقيه… هذا هو تاريخنا، يستفزنا من خلال تلك المآسي التي نكررها في احترابنا، وفي انقلابنا وفي تمردنا الفاشل واليائس، الذي لا يغير شيئا في وضعنا. وفي كل خطوة نزيد طول المسافة التي تبعدنا عن النظام العادل.
تلك هي الصورة في عراق صدام وما بعد صدام، في ليبيا القذافي وما بعد القذافي وفي سوريا الاسد وسوريا الجولاني… الخ
يقول كارل ماركس “التاريخ لا يعيد نفسه إلا على شاكلتين شاكلة المهزلة أو المأساة”.
تاريخنا، كما أسلفت الذكر، مراوحة بين المهزلة والمأساة. كنا دائما أعداء لأنفسنا لأننا حملنا في دواخلنا روح الجاهلية، فلم نكف يوما عن الحقد والحسد وعن الثأر، ولم نقبل لبلال الحبشي أن يكون أكثر من مؤذن… تماما كما أننا لم نفسخ صورة المرأة كموضوع رغبة، في وصف طرفة ابن العبد لها “كبهكنة تحت الغطاء المعبَّد”…
ولم يخرج تاريخنا من تحت ذلك الغطاء الى اليوم…
لا نزال نأكل الجيفة، وننبش في القبور، كما أعدموا صدام ونكلوا بالقذافي، وأحرقوا قبر الأسد…
أي أمة هذه التي تحتفل ببتر أجزائها، والتي تنام وجسمها عاري أمام ذئاب العالم والإقليم… لا نزال نرتكب نفس الأخطاء، مع علمنا بحتمية النتيجة فننتهي إلى مأساة كنا نعلمها كأنّ القدرية عندنا منزع انتحاري لا يتوقف.