
دكتوراة.. الدفع مقدمًا.. ألقاب وشهادات للبيع بأعلى
كتب ابراهيم عطاالله
الطبيعى أن الألقاب لا تُمنَح بسهولة، خاصة فى المجتمعات التى تحترم المعرفة وتُقدِّرُها. الألقاب العلمية والأكاديمية تحديدًا تمثل فى جوهرها اعترافًا ضمنيًّا بسنوات الجهد والبحث والدراسة والإسهام فى إنتاج قيمة معرفية حقيقية.. ولكن هناك بعض نماذج من الدكتوراة المهنية التى أصبحت تمثل ظاهرة خطيرة. تفريغُ الألقاب من مضمونها مع الإبقاء على بريق وجاهتها الاجتماعية، هذه الازدواجية التى تمثل نوعًا من التناقض هى أصل المشكلة، وهو ما يجعل النقدَ هنا ليس رفاهيةً، بل ضرورة.
الهدفُ واضحٌ جدًا.. «دكتور» أصبح لقب عليه الطلب، والمطلوب جُهد أكاديمى أقل، ومعايير علمية مرنة وفضفاضة، والمقابل تكلفة مادية محددة و«حفلة وروب وكاب».. وهو ما يعنى أن الألقاب الأكاديمية بمكانتها وهيبتها أصبحت رهن البيع والطلب حسب أعلى سعر. والمفارقة أن هذه السوق لا تخفَى على أحد، بل فى العلن، تحت لافتات رسمية، لزوم الإيحاء بالشرعية.
ترتكز الدكتوراة المهنية فى أساسها على فكرة نقل الخبرات المعرفية إلى الواقع العملى، وحَلّ التحديات الحقيقية داخل المؤسسات، ولكن ما يحدث فى العديد من الحالات هو العكس تمامًا.. فبدلًا من أن تكون رسالة الدكتوراة المهنية مُستهدِفَةً تقديمَ حلولٍ تطبيقية عملية، تتحوّلُ إلى كلمات منمقة وصياغات معقدة ومصطلحات لا بأس بها.. والخلاصة: محتوى لا فائدة منه، ومضمون ليس له أثرٌ يُذكَر. ويظلُ الإطارُ الحاكِمُ بين مَن حصل على تلك الدكتوراة ومن منحها هو علاقة عميل يحصل على خدمة بمقابل.
تحوَّل لقب «دكتور» فى هذا السياق إلى سلعة، تتيح لمن يحصل عليها ويملكها اختصارَ مراحل وتجاوزَ شروط تحتاج سنواتٍ من الخبرةِ والتدرُّجِ للحصول عليها. تؤدى تلك الحالة المُبَالَغ فيها إلى إعادة صياغة مفهوم الكفاءة والاقتدار بأسلوب مضلِّل وفاسد ومتحايل ومدلَّس. الذهنية المصرية العامة تنبهر بلقب «دكتور»، وتميل إلى المزيد من الثقة فيه؛ لأنه إشارة إلى النجاح والتميز.. ولكن عندما تحدث الفجوة بين اللقب والمحتوى، تتحول مساحة الثقة إلى الشك. الدكتوراة المهنية فى المجتمع المصرى تحولت إلى اقتصاد الوجاهة العلمية والثقافية والاجتماعية. ومثلما نشترى السلع والمستلزمات الفاخرة، نشترى الألقاب. المشكلة أن السلع الفاخرة لا تدَّعى المعرفة، بينما لقب «دكتور» يوحى بالمعرفة والعِلم والتخصص الدقيق. الملاحظ خلال الفترة الأخيرة، أن العديد ممن حولنا استطاعوا الحصول على الدكتوراة المهنية، سواء بالطلب أو بالمجاملة.. وغالبًا ما تكون مدفوعة الثمن مقدمًا دون أى تأثير يُذكر فى الإبداع والابتكار والمعرفة.