العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

تونس ليست فندقاً مفتوحاً: دروس رواندا لمن يريد أن يسمع

0
ما يحدث اليوم ليس مجرد حركة بشرية افريقية عابرة. إنه اختبار صامت لهوية الأمة التونسية، لقدرة الدولة على أن تبقى سيدة قرارها، وحارسة نسيجها الاجتماعي الذي نُسج قروناً بدم شعب، بصبره وبتضحياته.
لقد علّمنا التاريخ أن الكوارث الكبرى لا تبدأ بالسيف. تبدأ بجملة. بجملة يرمى بها خطاب الكراهية في ساحة عامة، فتتحول الهوية إلى جدار، والآخر إلى تهديد.
في رواندا سنة 1994، لم يُقتل ثمانمائة ألف من البشر بالسلاح وحده. قُتلوا وأبيدوا أولاً بالكلمة التي عمّمت، ثم بالإذاعة التي همست “هم”، ثم بالدولة التي غابت عن ضبط الفوضى. الهوتو والتوتسي لم يكونوا أرقاماً في كتاب جغرافيا، كانوا جيراناً يشربون من نفس البئر، ثم أعداء، حين انكسرت هيبة المؤسسة وتحول الخوف إلى عقيدة. السبب، أنوف التوتسي الرقيقة المشابهة لملامح الأروبيين لم ترق لأصحاب الأنوف العريضة الأفريقية لقبيلة الهوتو.
وهنا يهمس لنا ابن خلدون من عمق القرن الرابع عشر بحكمته التي لا تشيخ: “إن الدولة إذا أهملت العصبية التي قامت عليها، وأطلقت يد الفوضى في العمران، فقد حفرت قبرها بيدها قبل أن يأتيها الأجل”. العصبية عنده ليست عنصرية فقط، بل هي الرابط الذي يمسك المجتمع من التفتت. والعمران ليس حجارة، بل هو النسيج البشري، والاقتصاد، والعرف الذي يحمي الناس من الضياع.
تونس، وشعبها ذو الملامح المنفردة الأرو-عربية، تقف اليوم على مفترق مشابه، لكن بمعادلة مختلفة. أمامها تدفق بشري كثيف من جنوب الصحراء الأفريقية، وضغط اقتصادي داخلي خانق، وسوق عملٍ أنهكته البطالة أساساً، ومنظومة صحية تئن تحت وطأة الفقر والطلب. وأمامها أيضاً هوية ثقافية عريقة، هي اللغة والذاكرة والذوق العام، اللغة الهوية التي إن ذابت في الخليط بلا ضوابط، فقدنا بوصلتنا قبل أن نفقد أرضنا. وخطاب يخلط عمداً بين “الإنسان الهارب من جحيمه” وبين “الظاهرة التي تهدد جحيمنا”. وهذا الخلط المتعمد هو أول ثقوب السفينة. لأن من يجرّم الإنسان يخسر إنسانيته، ومن يتجاهل الظاهرة يخسر وطنه.
إن الغيرة على الوطن ليست عنصرية. الغيرة على الوطن هي أن تسأل بجرأة الباحث، لا بعاطفة الغاضب: حتى لو قبلنا بمعاهدة فرضت علينا فرصا، هل نملك القدرة على الاستيعاب؟ هل بنيتنا التحتية، سوق عملنا المنهك، منظومتنا الصحية، وهويتنا الثقافية قادرة على هضم هذا الحجم الهائل دون أن تفقد توازنها وتذوب ملامحها وهويتها؟ السؤال هنا عن “القدرة” و”السياق” و”النتائج”، لا عن لون البشرة أو أصل الدم. لأن الوطن الذي لا يسأل، هو وطن يسلّم مفاتيحه للصدفة.
لذلك، أقولها بلسان الباحثة لا بلسان الخائفة، بلسان من قرأت التاريخ ولم تبكِ عليه، بل تعلمت منه:
يا تونسي، لا تنتظر حتى يتحول شارعك إلى ساحة اختبار، وحيّك إلى سؤال وجودي. اليقظة اليوم ليست ترفاً فكرياً يُكتب في الندوات. هي فعل بقاء يومي، هو التنبه قبل أن يصبح التنبيه متأخراً.
الحزم المؤسساتي، الضوابط الواضحة، وهيبة الدولة التي لا تنكسر أمام أي ضغط داخلي أو خارجي… هذه ليست شعارات تُرفع ثم تُطوى. هذه جدران الحصن الأخير. الدولة القوية ليست التي تمنع كل شيء، بل التي تدير كل شيء بميزان دقيق: ميزان بين الرحمة التي لا تفرط، والصرامة التي لا تفرّط.
الخطر لا يأتي دائماً على هيئة جيش يقرع الطبول. أحياناً يأتي على هيئة تراكم صامت لا يُرى: تراكم فوضى صغيرة تصبح عرفاً، تراكم غبن يكبر في الصدور، تراكم بطالة تتحول إلى قنبلة موقوتة، تراكم شعور بأن “الدار” لم تعد دارك وحدك، وأن صوتك لم يعد الأعلى في بيتك. ومن هنا تبدأ الهوة التي يصعب ردمها، ويصعب على الأجيال القادمة أن تفهم كيف ضاعت من بين أيدينا.
تونس ليست عقاراً يُؤجر، ولا فكرة تُجرّب. تونس أمانة في أعناقنا، والتاريخ لا يرحم الغافلين. فإما أن نكتب فصل يقظتنا بأيدينا، أو يُكتب علينا فصل ندمٍ لا يُمحى.
الدكتورة ليلى الهمامي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار