
المعاش ليس نهاية الحياة… لكنه قد يكون بداية الفراغ
ايمان العادلى
في كل بيت تقريبًا، نجد رجلًا تغيرت طباعه بعد خروجه إلى المعاش. أصبح كثير الكلام، يتابع كل صغيرة وكبيرة، يتدخل في شؤون أبنائه، ويعلق على كل تصرف، وقد يدخل في خلافات مع الجيران أو الأقارب لأسباب بسيطة.
فيظن البعض أن التقدم في العمر هو السبب، لكن الحقيقة أن المشكلة غالبًا ليست في العمر، وإنما في الفراغ.
الرجل يقضي أكثر من ثلاثين أو أربعين عامًا وهو يستيقظ كل صباح على موعد عمل، يحمل مسؤوليات، ويقابل زملاء، ويتخذ قرارات، ويشعر بأن وجوده له قيمة وتأثير. ثم يأتي يوم يتوقف فيه كل ذلك فجأة، فيجد نفسه أمام ساعات طويلة لا يعرف كيف يملؤها.
وهنا يبدأ العقل في البحث عن أي شيء يشغل هذا الوقت. فيتابع أخبار الناس، وينشغل بمشكلات الآخرين، ويكثر من إبداء الرأي، ويتدخل أحيانًا في أمور لا تعنيه. ليس لأنه سيئ الطباع، ولكن لأنه يحاول أن يعوض شعوره بفقدان دوره الذي عاشه سنوات طويلة.
ومن المؤسف أن بعض الأسر لا تنتبه إلى هذا التغير، فتفسره على أنه حب للسيطرة أو رغبة في إثارة المشكلات، بينما يحتاج الرجل في هذه المرحلة إلى الاحتواء أكثر من اللوم، وإلى من يساعده على اكتشاف هدف جديد لحياته.
إن التقاعد يعني انتهاء الوظيفة، لكنه لا يعني انتهاء العطاء. فما زالت هناك خبرة يمكن أن تُنقل، وشباب يحتاج إلى نصيحة، وأحفاد ينتظرون حكاية، ومجتمع يحتاج إلى متطوعين، وهوايات قديمة تنتظر أن تعود للحياة.
الفراغ إذا لم نملأه بما ينفع، ملأه بما لا ينفع. وهذه حقيقة لا تخص الرجال وحدهم، لكنها تظهر عندهم بصورة أكبر؛ لأن العمل كان يمثل جزءًا كبيرًا من هويتهم وشعورهم بالإنجاز.
لذلك، فإن أجمل هدية يمكن أن يقدمها الرجل لنفسه بعد سن الستين هي أن يبدأ حياة جديدة، لا أن يعيش على ذكريات الماضي فقط. يقرأ، ويتعلم، ويمارس الرياضة، ويشارك في عمل خيري، ويسافر إذا استطاع، ويستمتع بأسرته، ويجعل من سنواته القادمة سنوات عطاء وطمأنينة.
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بما نصنعه فيها. ومن عرف كيف يستثمر وقته بعد المعاش، أدرك أن هذه المرحلة ليست نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد، قد يكون أكثر هدوءًا، وأكثر حكمة، وأكثر سعادة.
وفي النهاية، فإن المعاش ليس فراغًا، بل فرصة لبداية مختلفة. ومن يملأ وقته بما يحب وما يفيد، سيجد أن هذه المرحلة من أجمل مراحل العمر، مليئة بالراحة والرضا والإنجاز.