
عندما يتحول الإعلام من رسالة إلى مطاردة للترند
ايمان العادلى
كان الإعلام في الماضي يُنظر إليه باعتباره رسالة ومسؤولية، ومنبراً يعبّر عن الناس ويناقش قضاياهم ويكشف المشكلات التي يعانون منها. كان الإعلامي يسعى إلى تقديم الحقيقة، وطرح الأسئلة المهمة، وإعطاء مساحة لمن لا يملك منبراً يتحدث من خلاله.
أما اليوم، فقد تغيرت الصورة في كثير من البرامج ووسائل الإعلام. أصبح هناك سباق محموم وراء الترند والمشاهدات، وأصبحت بعض البرامج تبحث عن كل ما يثير الجدل، حتى لو كان على حساب الحقيقة أو الخصوصية أو كرامة الإنسان.
لم يعد السؤال في بعض الأحيان: ماذا سنقدم للجمهور؟ بل أصبح السؤال: كيف نحقق أعلى نسبة مشاهدة؟ وكيف نجعل الحلقة حديث الناس؟ حتى لو كان الطريق إلى ذلك هو فضيحة، أو خلاف شخصي، أو دموع ضيف، أو استدراجه إلى الحديث عن أسرار حياته.
الترند أصبح هدفاً وليس وسيلة
من الطبيعي أن يهتم الإعلام بما يشغل الجمهور، ومن الطبيعي أن يناقش الموضوعات المنتشرة على مواقع التواصل الاجتماعي. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الترند إلى الهدف الأساسي للإعلام.
فليس كل ما ينتشر يستحق أن يكون قضية، وليس كل شخص مشهور على مواقع التواصل الاجتماعي يستحق أن يكون ضيفاً في برنامج جماهيري، وليس كل خلاف شخصي يستحق أن يتحول إلى مادة إعلامية.
لكننا أصبحنا نرى أحياناً برامج تبحث عن أي موضوع يحقق الانتشار، حتى لو كان فارغاً من المضمون. يكفي أن يكون هناك خلاف، أو فضيحة، أو قصة مثيرة، حتى تتحول إلى موضوع رئيسي، بينما تمر قضايا مهمة تخص حياة ملايين الناس دون الاهتمام الكافي.
وهنا يجب أن نسأل: هل وظيفة الإعلام أن يطارد ما يريده الجمهور فقط؟ أم أن من وظائفه أيضاً أن يرفع مستوى اهتمام الجمهور، ويقدم له ما يحتاج إلى معرفته، وليس فقط ما يثير فضوله؟
الفضائح أسهل طريق إلى المشاهدة
أصبح من المؤسف أن الفضائح والخلافات الشخصية أصبحت في بعض الأحيان أكثر جذباً للمشاهد من القضايا المهمة. فحلقة تناقش مشكلة اجتماعية حقيقية قد لا تحقق نفس الانتشار الذي تحققه حلقة تتحدث عن خلاف بين شخصين أو تكشف أسرار حياة أحد المشاهير.
والأخطر أن بعض الحوارات تبدو وكأنها مصممة خصيصاً للوصول إلى لحظة الانفجار. أسئلة متتالية، استفزاز، ضغط، تذكير بمواقف مؤلمة، ثم انتظار لحظة البكاء أو الغضب.
وبعد انتهاء الحلقة، يتم نشر مقطع قصير من أكثر اللحظات إثارة، ويعاد تداوله آلاف المرات، وكأن الهدف لم يكن الحوار من البداية، بل الوصول إلى هذه اللحظة فقط.
هنا يصبح الضيف مجرد أداة لصناعة المحتوى، وتصبح مشاعره وسيلة لجذب المشاهدات.
أين تنتهي المهنية ويبدأ الاستغلال؟
الحوار الإعلامي الناجح لا يعني أن يكون الإعلامي ضعيفاً أو غير قادر على طرح الأسئلة الصعبة. بالعكس، من حق الإعلامي أن يسأل، وأن يبحث عن الحقيقة، وأن يواجه ضيفه بما لديه من معلومات.
لكن هناك فرقاً كبيراً بين السؤال المهني والاستدراج، وبين المواجهة والإهانة، وبين البحث عن الحقيقة واستغلال ضعف الإنسان.
بعض الضيوف، خاصة الأشخاص البسطاء أو قليلي الخبرة الإعلامية، قد لا يدركون أحياناً طبيعة الأسئلة التي يتم دفعهم إليها. وقد يتحدثون بعفوية أو تحت ضغط الموقف، ثم يكتشفون بعد ذلك أن كلامهم تحول إلى مادة للسخرية أو الانتشار.
وهنا يجب أن يكون الإعلامي أكثر مسؤولية، لا أن يستغل بساطة ضيفه.
فالإعلامي الحقيقي يعرف أن قوة الميكروفون لا تعني أن الطرف الآخر ضعيف، وأن شهرة البرنامج لا تمنح الحق في انتهاك خصوصية الضيف أو إحراجه أمام الملايين.
لماذا لا يهتم الإعلام بالناس البسطاء؟
من المؤلم أن نجد أن كثيراً من الأشخاص العاديين لديهم قصص وتجارب تستحق أن يسمعها المجتمع، لكنهم لا يجدون الفرصة.
هناك أم أفنت عمرها في تربية أبنائها، وأب كافح سنوات طويلة من أجل أسرته، وعامل شريف بدأ حياته من الصفر، وطبيب أو معلم أو ممرض قدم سنوات من العطاء، وشاب تحدى ظروفه وحقق نجاحاً حقيقياً.
كل هؤلاء لديهم قصص تستحق أن تكون على الشاشة.
لكن يبدو أن الشهرة أصبحت في أحيان كثيرة أهم من القيمة، وأن عدد المتابعين أصبح أهم من مضمون التجربة.
فإذا كان الشخص مشهوراً على تيك توك، أو مرتبطاً بشخصية مشهورة، أو يعيش أزمة أو خلافاً، فإن فرص ظهوره في الإعلام قد تكون أكبر بكثير من شخص لديه قصة نجاح حقيقية، لكنه لا يمتلك ملايين المتابعين.
وهنا نخسر واحدة من أهم وظائف الإعلام: أن يمنح صوتاً لمن لا يستطيع الوصول إلى الجمهور بمفرده.
مشاهير السوشيال ميديا ليسوا دائماً إعلاماً
لا يمكن إنكار تأثير مواقع التواصل الاجتماعي، ولا يمكن تجاهل الشخصيات التي أصبحت لها شعبية كبيرة عبر الإنترنت. لكن الشهرة وحدها ليست معياراً للمعرفة أو النجاح أو القدرة على تقديم شيء مفيد.
المشكلة ليست في استضافة مشاهير السوشيال ميديا، وإنما في تحويلهم إلى أبطال دائمين للمشهد الإعلامي، حتى عندما لا يكون لديهم ما يقدمونه سوى تفاصيل حياتهم الخاصة أو خلافاتهم أو أخبار علاقاتهم.
كما أن استضافة زوجات المشاهير أو أفراد عائلاتهم لمجرد الحديث عن الحياة الخاصة للمشاهير قد تكون جذابة لبعض المشاهدين، لكنها لا تعني بالضرورة أنها إعلام هادف.
فالإعلام ليس دفتر مذكرات شخصية، وليس من الضروري أن يعرف الجمهور كل تفاصيل حياة كل مشهور.
هناك فرق بين اهتمام الجمهور بالشخصية العامة، وبين تحويل الحياة الخاصة إلى سلعة إعلامية.
أين اختفى الضمير؟
السؤال الأصعب هو: أين اختفى الضمير من بعض برامج التوك شو؟
هل أصبح تحقيق المشاهدة يبرر كل شيء؟
هل أصبح من المقبول أن يبكي الضيف أمام الكاميرا لمجرد أن الحلقة ستحقق انتشاراً؟
هل أصبح من المقبول استغلال شخص بسيط لأنه لا يعرف كيف يدافع عن نفسه؟
هل أصبح من المقبول فتح ملفات شخصية وحساسة أمام الجمهور، ثم تسميتها حواراً إعلامياً؟
الإعلامي لديه سلطة كبيرة، ليس فقط بسبب الكاميرا، ولكن بسبب الجمهور الذي يثق فيه. ولذلك يجب أن تكون هذه السلطة مصحوبة بالمسؤولية.
ليس كل ما يمكن عرضه يجب أن يعرض، وليس كل ما يحقق المشاهدة يستحق أن يقدم.
الإعلام الهادف لم يمت، لكنه يحتاج إلى من يدعمه
رغم كل هذا، لا يمكن القول إن الإعلام الهادف اختفى تماماً. فما زال هناك إعلاميون محترمون، وبرامج جادة، وحوارات تقدم محتوى مهماً.
لكن الإعلام الجاد يحتاج إلى دعم واهتمام، ويحتاج إلى أن يدرك القائمون عليه أن الجمهور ليس سطحياً كما يعتقد البعض.
الجمهور قد يشاهد حلقة مثيرة، لكنه أيضاً يبحث عن الحقيقة، ويحتاج إلى المعرفة، ويهتم بقضايا المجتمع، ويقدر الحوار المحترم.
المشكلة أن بعض وسائل الإعلام تقدم للجمهور ما تعتقد أنه يريده، ثم تقول إن الجمهور لا يهتم إلا بالفضائح.
لكن الحقيقة أن الإعلام لا ينقل اهتمامات الجمهور فقط، بل يساهم أيضاً في تشكيلها.
إذا قدمنا للناس الفضائح طوال الوقت، فسوف تصبح الفضائح هي حديث الناس. وإذا قدمنا لهم قصص النجاح والنماذج المشرفة والقضايا المهمة بأسلوب جذاب، فسوف تجد طريقها إلى المشاهدة أيضاً.
الإعلام يحتاج إلى إعادة ترتيب أولوياته
الإعلام الناجح ليس هو الذي يحقق أعلى مشاهدة فقط، بل هو الذي يحقق تأثيراً حقيقياً.
قد تكون هناك حلقة حققت ملايين المشاهدات، لكنها لم تضف شيئاً للمجتمع. وقد تكون هناك حلقة أخرى شاهدها عدد أقل، لكنها غيرت فكر شخص، أو قدمت حلاً لمشكلة، أو أعادت الأمل إلى إنسان.
فما قيمة المشاهدة إذا لم يكن وراءها مضمون؟
وما قيمة الترند إذا كان مبنياً على فضيحة أو إهانة أو استغلال؟
الإعلام الحقيقي لا يجب أن يخاف من انخفاض المشاهدات عندما يختار احترام الإنسان. فالمهنية والضمير قد لا يصنعان ضجة في البداية، لكنهما يصنعان الثقة، والثقة هي التي تبقى.
وأخيرا: نريد إعلاماً يحترم عقولنا
نحن لا نريد إعلاماً يعيش على الفضائح، ولا برامج تجعل من حياة الناس الخاصة مادة للفرجة. نريد إعلاماً يحترم عقل المشاهد، ويحترم كرامة الضيف، ويناقش قضايا المجتمع، ويمنح الفرصة للإنسان البسيط قبل المشهور، ولصاحب التجربة قبل صاحب الترند.
نريد إعلاماً يسأل الأسئلة الصعبة، ولكن دون أن يتحول إلى أداة للإهانة.
نريد إعلاماً يواجه، ولكن لا يستدرج.
نريد إعلاماً يحقق المشاهدة، ولكن لا يبيع ضميره من أجلها.
فالترند ينتهي، والمشاهدة تتراجع، والضجة تختفي، لكن ما يبقى هو أثر الإعلام في المجتمع.
وإذا كان الإعلام رسالة، فإن أول شروط الرسالة أن يكون لها ضمير.
أما إذا تحول الإعلام إلى مجرد مطاردة للمشاهدة، وتحولت البرامج إلى ساحات للفضائح والخلافات، وتحول الضيف إلى مادة للاستغلال، فإننا لا نكون أمام إعلام حقيقي، بل أمام صناعة للضجيج.
والسؤال الذي يجب أن يظل مطروحاً أمام كل إعلامي وكل برنامج هو:
هل نحن نقدم للجمهور ما يفيده، أم نقدم له فقط ما يجعله يشاهد؟