العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

“اختلفت ملامحنا.. وجمعتنا إنسانيتنا”

0

 

بقلم/ ياسر الفرح

 

بين ملامح صديقي “لي”؛ المكافح الصلب القادم من عمق الغرب الأمريكي، وبين ملامح شيخي العزيز “مصطفى” -رحمه الله- الذي كان يحمل سكينة الشرق والإيمان في قلبه، فجوة واسعة من الجغرافيا واللغة والاعتقاد.

عاد صديقي “لي” إلى وطنه الأم، وتوفي شيخي الجليل مصطفى، وكلاهما في سن والدي تقريباً. وحين أتأمل معرفتي بهما والفوارق الكثيرة بينهما، أجد أنه كان هناك دائماً وطن واحد يجمعهما: (الإنسانية).

 

الإنسان حكاية؛

ألف “لي” الكثير من الكتب والمؤلفات، ولم تمنعه إصابته برصاصة في فكه -حين كان قائداً للشرطة في إحدى مناطق أمريكا- من الحديث، بل وإلقاء المحاضرات على منصات عديدة في الولايات المتحدة. عاش “لي”، الذي يحمل الجنسيتين الأمريكية والكندية، سنواته متنقلاً بين البلدين، وهناك التقيته لأول مرة.

عرفتُ من حياة “لي” ما جعل عيناي تدمع ضحكاً تارة، وتدمي قلبي ألماً تارة أخرى، ومع ذلك، ظل دائماً ذلك العنيد الهادئ المبتسم بشموخ.

 

وجوه لا تتشابه.. بإنسانية واحدة؛

في كندا، تلك الأرض التي تجمع الأضداد، وجدت نفسي تلميذاً في مدرستين متناقضتين ظاهرياً:

• مدرسة “لي شامبر”: الصديق العنيد، الصارم، والمنظم.

• مدرسة الشيخ “مصطفى” (رحمه الله): الأب الرحيم، والناصح الحنون الذي كان يفيض سكينة ووقاراً.

قد يعتقد البعض للوهلة الأولى أن “لي” والشيخ “مصطفى” خطان لا يلتقيان؛ أحدهما يمثل ثقافة الغرب بصلابته وتجاعيد كفاحه، والآخر يمثل روحانية الشرق بحكمته وعطائه. لكنني رأيت فيهما جوهراً واحداً: إنسانيتهما الرائعة.

 

تعايشوا..

إن كل ما في هذا العالم الذي نعيشه من أحداث وسياسات ومصالح متضاربة، يعمل على تصنيفنا إلى “نحن” و”هم”، ووضعنا في قوالب مشوهة مصنوعة من الكراهية والأنانية، ومعاملتنا بناءً على أوراقنا الثبوتية أو دور عبادتنا. لكن الحقيقة تكمن في أن:

(إنسانيتنا خُلقت معنا؛ وليست ديناً يعتنق أو توجهاً يتبع، بل هي فطرة تُمارس).

لقد تعلمت أن الحب لا يحتاج إلى ترجمان، وأن الوفاء لا يسأل عن الديانة. “لي” الآن في وطنه يبدأ فصلاً جديداً من المحاضرات والكتابة، والشيخ مصطفى في رحاب الله، وبقيتُ أنا هنا أتذكر أثرهما معاً كدليل قاطع على أننا مهما اختلفت وجوهنا، فإن نبض السعادة والوجع في قلوبنا واحد.

 

أخيراً؛

علمتني غربتي ألا أحكم على الوجوه، فقد تختلف الملامح والألوان والأسماء، ولكني أقيمها بميزان إنسانيتها. لا تبحثوا عن الإنسانية في بطاقات الهوية، بل ابحثوا عنها في المواقف، وفي الصداقات، وفي (الإنسان) ذاته. مدرسة الإنسانية تتسع للجميع، فلنتعلم من كل عابر سبيل در

ساً مختلفاً في الحياة.


اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار