العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

“جريمه بلا أعتراف” 

0

 

 

بقلم / رحاب سماحه

 

في البدء، لم يكن العالم عادلًا… لكنه لم يكن بهذه القسوة أيضًا.

ثم جاء الرجل—لا كإنسان، بل كفكرة متضخمة عن نفسه—وكتب قوانين القوة بأسمه، ووقّع عليها بدم الآخرين، ثم أعلنها “طبيعة الحياة”.

 

هكذا وُلد العالم الذكوري: ليس من تفوق، بل من خوف قديم، خوف من أن يكون متساويًا، لا سيدًا.

الرجل الذي أقنع نفسه أنه مركز الكون، لم يكتفِ بأن يحتل المساحة، بل أعاد تعريفها. جعل الصوت العالي حقًا، والسيطرة رجولة، والقسوة حزمًا، والأنانية قيادة. ثم نظر حوله، إلى الخراب الذي صنعه، وسأل بدهشة مصطنعة: “ما الذي حدث؟”

 

في كل بيت تُقمع فيه أمرأة، هناك رجل يظن أنه يحافظ على النظام.

في كل حلم يُوأد قبل أن يُولد، هناك عقل ذكوري يهمس: “ليس مكانك هنا.”

في كل جريمة يُلام فيها الضحية، هناك تاريخ طويل من التبرير، كتبه رجال، وصدّقه العالم.

المأساة ليست في رجل واحد، بل في مرآة يتوارثها الجميع، تعكس صورة مشوهة للإنسان، حيث يُقاس بالقوة لا بالعدل، وبالهيمنة لا بالرحمة.

والأشد قسوة، أن هذا العالم لم يكتفِ بالقهر، بل أقنع ضحاياه أنه حماهم.

علّم المرأة أن صمتها فضيلة، وأن انكسارها ستر، وأن قبولها بالقليل شرف.

 

وحين صرخت، قال: “أنظري كم أنتِ ناكرة للجميل.”

 

أيُّ جميل هذا الذي يُبنى على الخوف؟

وأيُّ نظام هذا الذي لا يستقيم إلا بإسكات نصفه؟

 

الرجل هنا ليس جسدًا، بل فكرة—فكرة حين تنفلت من إنسانيتها، تتحول إلى آلة قمع، لا ترى في الآخر شريكًا، بل تهديدًا يجب تحجيمه.

 

لكن الحقيقة التي يخشاها هذا العالم، بسيطة وواضحة:

ما بُني على الإقصاء، لا يمكنه أن يستمر دون أن ينهار.

وما يقوم على كسر الآخرين، سينكسر بهم.

ليس لأن المرأة أضعف أو أقوى… بل لأن العدالة، ببساطة، لا تُهزم إلى الأبد.

سيأتي وقت، لا يُسأل فيه: من يسيطر؟

بل: من يستحق أن يُسمع؟

وعندها فقط، سيُعاد كتابة هذا العالم… لا بقلم الرجل، ولا ضدّه، بل بقلم الإنسان.


اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار