العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

أطباؤنا، علماؤنا يواجهون الموت من أجل اعتراف بقدراتهم – ضياء العوضي مثالا

0
كتبت د. ليلى الهمامي
مأساة الدكتور ضياء العوضي رحمه الله، تلخص في الواقع، عقدةً من العقد التي تطبع وتسود الشخصية العربية، وهي عقدة علاقتنا بالعلم وبالمعرفة. أقول عقدة لأن التاريخ يؤكد أننا لم نكن في يوم من الأيام محبين للعلم. نحن نخشى العلم، نحترز من العلم، حتى أن ابن سينا في بخارة، كان يتسلل ليلا ليسترق بعض الجثث لدراستها ولتشريحها لتمكين العرب من بعض من علم الطب.
المشكل تواصل مع الفلاسفة وتواصل مع العلماء؛ طورِدوا، لوحقوا، تم جلدهم، تم اعدامهم… إلى أن وصلنا اليوم، إلى نقطة، هي في تقديري نقطة قصوية، هي أقصى ما يمكن ان يطوله العقل الإنساني على مشارف جحيم العبث، التضحية بطبيب ودكتور من أبناء الشعب المصري من الذين قضوا حياتهم في البحث، في الدراسة، في الإجتهاد.
بقطع النظر، وأقول جيدا بقطع النظر عن المضامين التي سَوّق لها الفقيد العوضي، لم تجد أطروحتُه -أو لنقل بكثير من التجرد الظالم- لم تجد “مزاعمُه” الأذن الصاغية من المَجمع العلمي.
الكل يعلم أن العلم، كما يؤكد ذلك كون، ينتظم في هيئات رقابية، هي ما يمكن وصفه أو نعته بالمجمع العلمي، يراقب عمليه انتاج العلم. يراقب مراجعة النماذج، يراقب عملية تعميم النماذج والمناهج والمواضيع والنظريات وما الى هنالك… لم نجد تفاعلا جديا.
لنتفق على مسألة؛ أن ضياء العوضي تحول بالفعل قبل وفاته وحتى بعد مقتله إلى ظاهره اتصالية. الرجل أثّر أيما تأثير، وبصفة مباشرة، في السلوك الغذائي لآلاف المصريين وآلاف العرب من مختلف الأقطار. هنالك جدل، هنالك من يقول إنه دجال، هنالك من يقول إنه عبقري وأنه قدّم الإضافة، هنالك من يقول بأنه هدّد بالفعل، مصالح ضخمة، في علاقة بإنتاج الدواجن، في علاقة بقطاع واسع من المواد الغذائية، في علاقة بصناعة الأدوية وما أدراك ما شركات الأدوية وسلطة اللوبي الصيدلاني في العالم…
كل هذا كان من المفروض أن يدفع نحو حوار مفتوح، علني، بين مجاميع العلماء والمواطنين ومراقبة العينة المنتخبة من المرضى ومراجعة تلك العينة وتقييمها وما إلى هنالك من بروتوكولات البحث العلمي…
لا شيء من كل هذا حصل. لم يحصل شيء من كل هذا، بل مرَّ الأمر مرور الكرام. شخصيا، أضع الأمر موضع شكّ. أعتقد أن مثل هذا النظام الغذائي يهدد بالفعل مصالح أوليڨارشيات، اي مجامع مالية ضخمة.
ثانيا أن ما تم طرحه من أفكار ونظريات جديدة لم يتم أخذها بجدية وتناولها بصفة علمية.
ثالثا أن وفاه الدكتور ضياء العوضي يطرح أكثر من سؤال… لن أذهب إلى التاويلات. لن أجازف بأحكام، لكن أقول بأن موتَه يطرح أكثر من إشكال وأكثر من سؤال. وبناء عليه أعتقد أنه من الضروري العودة على هذا الموضوع بكل جدية، ومن الضروري أن نقيّم بصفة علمية وأن نفتح حوارا علميا حول هذا الطرح وهذه النظرية الجديدة. والأهم من كل هذا عندي، أن نكفّ عن المسلكيات الهمجية تجاه النخب العلمية.
نخبُنا العلمية أنفقنا عليها مئات الملايين من عملاتنا المحلية. نخبنا العلمية تؤكد في المجتمعات الغربية أنها ذات كفاءة عالية، وأنها قادرة على الإضافة. بينما نحن، ونحن فقط من يهين تلك الكفاءات. نحن فقط من يحط من معنويات تلك الكفاءات. نحن فقط من يشكّك في كفائاتنا العلمية. نحن ننفر من كل مبدع. نحن نتنكر لكل مجدد، وهذا بيت القصيد. هذا ما يفسر الإنحطاط الذي نحن فيه. ابناؤنا من الكوادر، من العلماء، من الباحثين يغادروننا لإنقاذ حلمهم او أحلامهم العلمية الاكاديمية قبل تلك الأحلام المادية المشروعة…
قبل تلك الأحلام المادية المشروعة، نخبنا، علماؤنا يفرّون هاربين في اتجاه الغرب أو المجهول، أو الموت، لأنهم يبحثون عن اعتراف بما لهم من قدرات وما لهم من إمكانات. المرض فينا… نحن أعداء أنفسنا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار