
أساتذة الجامعات.. ثروة وطن يهدرها تدني الأجور
إبراهيم عمران
لا يمكن لدولة تسعى إلى التقدم وبناء اقتصاد قوي ومجتمع واعٍ أن تضع قضية أجور أساتذة الجامعات في مرتبة القضايا الثانوية، أو تتعامل معها باعتبارها مجرد مطالب فئوية تستهدف زيادة الدخل. فالأمر يتجاوز حدود الرواتب إلى جوهر المشروع الوطني لبناء الإنسان، وإعداد العقول، وصناعة المعرفة، وتأهيل الأجيال القادرة على حماية مقدرات الوطن وقيادة مسيرته نحو المستقبل.
أستاذ الجامعة ليس موظفًا يؤدي ساعات عمل وينصرف، وإنما هو عقل منتج للمعرفة، وحارس للوعي، وشريك في صناعة التقدم، وصاحب رسالة تتجاوز حدود قاعات الدراسة إلى مختلف قطاعات المجتمع. فمن داخل الجامعات تتشكل عقول الأطباء والمهندسين والعلماء والمعلمين والخبراء، وعلى أيدي أساتذتها تتحدد إلى حد كبير قدرة الأجيال الجديدة على الابتكار والمنافسة ومواجهة التحديات. فكيف يستقيم أن نحمّل هذه الفئة مسؤولية إعداد الكفاءات وبناء المستقبل، بينما تظل أوضاعها المادية دون المستوى الذي يتناسب مع مؤهلاتها وأعبائها ومكانتها العلمية؟
إن استمرار الفجوة بين دخول أعضاء هيئة التدريس وتكاليف المعيشة يفرض مراجعة جادة لسياسات الأجور داخل الجامعات. فسنوات الدراسة الطويلة، والجهد المبذول في البحث والتأليف والإشراف الأكاديمي، والمسؤولية الملقاة على عاتق الأستاذ الجامعي، كلها عناصر ينبغي أن تنعكس بوضوح على مستوى دخله واستقراره المعيشي. وليس مقبولًا أن يتحول السعي إلى توفير الاحتياجات الأساسية إلى عبء يزاحم الباحث في وقته وطاقته، أو يدفعه إلى البحث عن مصادر دخل إضافية على حساب التفرغ العلمي.
والأخطر أن تداعيات هذه الأزمة لا تتوقف عند الأستاذ وأسرته، بل تمتد إلى مستقبل الجامعة نفسها. فضعف المقابل المادي قد يقلل جاذبية العمل الأكاديمي أمام الكفاءات المتميزة، ويؤثر في قدرة الجامعات على استقطاب الباحثين والاحتفاظ بهم، ويحد من فرص التوسع في المشروعات العلمية ذات القيمة الاقتصادية والمجتمعية. وفي عالم تتنافس فيه الدول على العقول والخبرات، يصبح التفريط في الكفاءات العلمية خسارة لا يمكن تعويضها بمجرد زيادة أعداد الخريجين أو تشييد مبانٍ جامعية جديدة.
ومن هنا، فإن تحسين رواتب أعضاء هيئة التدريس يجب أن يتحول من مطلب يتجدد مع كل أزمة اقتصادية إلى سياسة واضحة ومستدامة. والمطلوب ليس معالجة مؤقتة تقوم على بعض الحوافز والبدلات، وإنما إعادة هيكلة شاملة للأجور تحقق العدالة بين الدرجات الأكاديمية، وتراعي الخبرة والمسؤولية، وتضمن مراجعة دورية للرواتب في ضوء المتغيرات الاقتصادية. كما ينبغي أن تتكامل هذه الخطوة مع تطوير المعامل والمكتبات، وتوفير التمويل البحثي، ودعم النشر العلمي، وتوسيع فرص التعاون مع المؤسسات الدولية.
ولا يعني ذلك إغفال التحديات التي تواجه الموازنة العامة، وإنما يقتضي ترتيب الأولويات على أساس العائد الحقيقي للإنفاق العام. فالتعليم الجيد يرفع إنتاجية المجتمع، والبحث العلمي يفتح آفاقًا جديدة للصناعة والابتكار، والجامعة القوية تسهم في إعداد كوادر تقلل الاعتماد على الخبرات المستوردة، وتدعم قدرة الاقتصاد الوطني على المنافسة. وبذلك، فإن الإنفاق على الأستاذ الجامعي لا يمثل تكلفة مالية مجردة، بل استثمارًا تتراكم ثماره عبر الأجيال.
إن المطلوب من الدولة أن تنتقل من تقدير الأستاذ الجامعي بالكلمات والشعارات إلى إنصافه بسياسات ملموسة، تضمن له حياة كريمة وبيئة علمية مناسبة، وتعيد الاعتبار لقيمة العمل الأكاديمي في المجتمع. فمكانة العالم لا ينبغي أن تُقاس بما يحمله من ألقاب وشهادات فقط، بل بما يتاح له من إمكانات تُمكّنه من تحويل علمه إلى إنجاز.
فلا نهضة تعليمية بلا أستاذ مستقر، ولا بحث علمي قوي دون عالم يجد التقدير المادي والمعنوي، ولا مستقبل آمن لدولة لا تجعل المعرفة في مقدمة أولوياتها. إن إنصاف أساتذة الجامعات ليس مطلبًا مهنيًا فحسب، بل قرار استراتيجي يمس حاضر الوطن ومستقبله؛ لأن الدول لا تصنع مكانتها بما تبنيه من منشآت فقط، وإنما بما تبنيه من عقول، وما تمنحه لعلمائها من قدرة على العطاء و
الإبداع


التعليقات مغلقة.