
لواء دكتور/ سمير فرج هل بدأ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في التخلي عن دعم أوكرانيا (2)
متابعه على صبرى
تابعنا في مقالي الأسبوع الماضي عن العلاقات الأمريكية تجاه أوكرانيا وهل بدأت الولايات المتحدة في التخلي عن دعم أوكرانيا ما انتهى المقال بقيام الرئيس الامريكي خلال مؤتمر النيتو في تركيا باصدار قرار بمنحه اوكرانيا من تصنيع الصواريخ الأمريكية باتريوت محليا وعلى الرغم من أن ذلك القرار كان مهما إلا أنه لن تصبح أوكرانيا قادرة على تصنيعه قبل سنوات ولذلك لن يدخل في أعمال القتال الحالية
في الثاني عشر من يوليو 2026، توفي السيناتور الجمهوري ليندسي جراهام عن عمر ناهز 71 عامًا. وكان جراهام قد عاد لتوّه من زيارته العاشرة لأوكرانيا منذ بدء الغزو الروسي، والتقى زيلينسكي في كييف قبل وفاته بيوم واحد فقط، وتحدث مع ترامب هاتفيًا في ليلة وفاته.
وشكّلت وفاة جراهام، الذي كان من أبرز الأصوات الجمهورية المؤيدة لدعم أوكرانيا وفرض عقوبات صارمة على روسيا، خسارة كبيرة لكييف في أروقة الكونجرس.
ورغم هذه الخسارة، أُعلن في العاشر من يوليو 2026 -قبل وفاة جراهام بيومين- عن تفاهم بين مجموعة من أعضاء مجلس الشيوخ من الحزبين (من بينهم جراهام نفسه، وريتشارد بلومنثال، وجين شاهين، وروجر ويكر) وإدارة ترامب، للمضي قدمًا في مشروع قانون عقوبات محدّث على روسيا، يسمح لترامب بفرض رسوم جمركية مرتفعة على الدول التي تستورد النفط واليورانيوم والغاز الطبيعي الروسي، مع استثناءات محتملة للدول التي تساهم في المجهود الحربي الأوكراني. وقد ظل مصير هذا القانون معلقًا لأشهر بسبب تحفظات من البيت الأبيض، قبل أن يعلن ترامب “الضوء الأخضر” له.
في 28 يوليو 2026، التقى زيلينسكي بترامب مرة أخرى في المكتب البيضاوي، في لقاء وُصف بأنه “جيد” من الجانب الأوكراني، وتناول بشكل أساسي ملف صواريخ باتريوت وسبل إحياء المسار الدبلوماسي مع روسيا. وأكد رئيس ديوان الرئاسة الأوكرانية أن الجانبين اتفقا على “تكثيف عملية التفاوض على جميع المستويات”، فيما أشار زيلينسكي إلى أن أولوية أوكرانيا القصوى تظل الدفاع الصاروخي المضاد للباليستية والتعاون الاستراتيجي مع أمريكا.
وقد لاحظ محللون أن هذا اللقاء جاء في سياق تحسّن ملحوظ في العلاقة بين الرجلين مقارنة بأزمة فبراير 2025، لا سيما بعد لقاءاتهما المتكررة على هامش قمة الناتو في أنقرة وقمة مجموعة السبع في إيفيان الفرنسية في يونيو 2026. كما تجدر الإشارة إلى أن كييف وواشنطن كانتا تقتربان أيضًا من اتفاق للتعاون في إنتاج الطائرات المسيّرة، وهو مجال تتقدم فيه أوكرانيا تقنيًا وتسعى الولايات المتحدة للحاق به.
عند محاولة الإجابة عن سؤال “هل بدأ ترامب يتخلى عن أوكرانيا؟”، تظهر الإجابة من خلال نقطتين تسمح بقراءتين مختلفتين تمامًا:
النقطة الأولى: التراجع الفعلي في الدعم. يستند أصحاب هذا الرأي إلى أن إدارة ترامب قلّصت بشكل حاد المساعدات العسكرية المباشرة الجديدة لأوكرانيا، تاركة لأوروبا الدور الأكبر في التمويل والدعم العسكري، عبر آلية تقوم على شراء دول الناتو للأسلحة الأمريكية ثم تسليمها لكييف، بدلًا من تمويل أمريكي مباشر كما كان الحال في عهد بايدن. كما يشيرون إلى بطء صرف المساعدات المُقرّة أصلاً من الكونجرس (كحالة الـ400 مليون دولار الممتدة حتى 2029)، وإلى فرض عدد أقل بكثير من العقوبات على روسيا مقارنة بالإدارة السابقة، وإلى رفع العقوبات مؤقتًا عن النفط الروسي في مارس 2026، وإلى تصريحات ترامب المتكررة التي حمّلت زيلينسكي جزءًا من مسؤولية استمرار الحرب، إضافة إلى فقدان كييف لأبرز حلفائها في الكونجرس بوفاة جراهام.
النقطة الثانية: يرى أصحاب هذا الرأي أن ترامب لم يتخلَّ عن أوكرانيا، بل غيّر أسلوب الدعم من التمويل المباشر إلى الضغط الدبلوماسي المزدوج على كل من موسكو وكييف لإجبارهما على التفاوض. ويستشهدون بموافقته على تصنيع صواريخ باتريوت محليًا في أوكرانيا، وبمواصلة فرض عقوبات على شركتي روسنفت ولوك أويل، وبـ”الضوء الأخضر” الذي منحه لمشروع قانون العقوبات الجديد، وبتحسّن لهجته تجاه زيلينسكي وأوكرانيا بشكل عام منذ منتصف عام 2026 مقارنة بالتوتر الحاد في مطلع 2025، إلى جانب استمرار مبعوثيه في التفاوض المكثف مع الطرفين.
حتى تاريخ اليوم، الثالث من أغسطس 2026، لا تبدو الصورة قابلة للاختزال في عنوان واحد. فمن جهة، تتراجع نسبيًا حصة التمويل الأمريكي المباشر لأوكرانيا مقارنة بحقبة بايدن، وتتباطأ بعض المساعدات المُقرّة، وتضعف قوة الأصوات المؤيدة لكييف داخل الإدارة والكونجرس بعد رحيل جراهام. ومن جهة أخرى، لا تزال واشنطن طرفًا فاعلًا في الوساطة، وتمنح كييف تنازلات تقنية واستراتيجية مهمة كترخيص إنتاج باتريوت، وتبقي خيار العقوبات القاسية على روسيا مطروحًا وقيد التفعيل الجزئي.
وفي رائي أن ما يحدث ليس تخليًا صريحًا عن أوكرانيا، بقدر ما هو تغير التوجه الأمريكي: من دور الممول والداعم الأساسي إلى دور الوسيط الذي يحاول بأسلوب تفاوضي للضغط المتبادل والمهل الزمنية المتكررة الوصول إلى تسوية تنهي الحرب، حتى لو كان الثمن تحمّل أوروبا عبئًا أكبر من الدعم المالي والعسكري المباشر. وبين هذين المسارين، يبقى مستقبل الحرب الروسية الأوكرانية، ومعه مصير ملايين الأوكرانيين، رهينًا لتوازنات لم تستقر بعد في واشنطن ولا في ساحة المعركة وهذا الأمر كنت يزيد مدة الحرب إلى عام قادم.

