العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

تشغيل الأطفال بين الفقر وضياع الطفولة

0

 

ايمان العادلى

 

تُعد ظاهرة تشغيل الأطفال من المشكلات الاجتماعية المؤلمة التي ما زالت تظهر في بعض المجتمعات، حيث نرى أطفالًا صغارًا يعملون في مهن مختلفة، مثل البيع في الشوارع، والعمل في الورش والمحال، ومساعدة أصحاب المهن، وأحيانًا في أعمال شاقة لا تناسب أعمارهم.

 

الطفل في هذه المرحلة من عمره يحتاج إلى التعليم والرعاية واللعب، وليس إلى حمل مسؤولية الإنفاق على الأسرة. فالطفولة هي مرحلة أساسية لبناء شخصية الإنسان، وأي طفل يُحرم من التعليم أو يتعرض للعمل الشاق قد يفقد جزءًا مهمًا من حقه في حياة طبيعية ومستقبل أفضل.

 

الفقر أحد أسباب الظاهرة

 

من أهم الأسباب التي تدفع بعض الأطفال إلى العمل الفقر وانخفاض دخل الأسرة. فهناك أسر تعاني من ظروف اقتصادية صعبة، وقد تجد نفسها عاجزة عن توفير احتياجاتها الأساسية، فيضطر الطفل إلى العمل لمساعدة والديه وتوفير بعض المال.

 

وفي بعض الحالات، قد تنجب الأسرة عددًا كبيرًا من الأطفال دون أن تكون لديها القدرة الاقتصادية الكافية على رعايتهم وتعليمهم، ثم ينتهي الأمر بدفع بعض الأبناء إلى العمل في سن صغيرة للمساهمة في دخل الأسرة. لكن لا يجب أن نضع كل الأسر الفقيرة في موقف الاتهام، فالفقر نفسه مشكلة تحتاج إلى علاج، والأسرة المحتاجة تحتاج إلى الدعم والعمل والحماية الاجتماعية حتى لا يصبح الطفل هو الحل لمشكلتها الاقتصادية.

 

ماذا يقول القانون عن تشغيل الأطفال؟

 

اهتم المشرّع المصري بحماية الأطفال من الاستغلال والعمل الذي يضر بهم. ويُعد قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996، المعدل بالقانون رقم 126 لسنة 2008، من أهم القوانين التي تنظم حماية الطفل في مصر. كما يتضمن قانون العمل أحكامًا خاصة بتشغيل وتدريب الأطفال.

 

وينص قانون العمل على حظر تشغيل الأطفال قبل بلوغ سن الخامسة عشرة، مع السماح بتدريب من بلغ الرابعة عشرة بشروط، بحيث لا يؤثر التدريب على استمرار الطفل في التعليم. كما يحظر تشغيل الأطفال في الأعمال أو المهن التي يمكن أن تعرض صحتهم البدنية أو النفسية أو سلامتهم أو أخلاقهم للخطر، أو تمنعهم من مواصلة تعليمهم.

 

وهذا يعني أن حماية الطفل ليست مجرد مسألة أخلاقية، بل هي أيضًا مسؤولية قانونية ومجتمعية.

 

الطفل ليس مصدرًا للمال

 

من أخطر الأفكار التي يجب أن تتغير في المجتمع اعتبار الطفل وسيلة للحصول على المال. فالطفل ليس مسؤولًا عن إعالة أسرته، ولا يجب أن يتحول احتياج الأسرة إلى سبب لحرمانه من التعليم واللعب والأمان.

 

وعندما يعمل الطفل لساعات طويلة، قد يترك المدرسة أو يتراجع مستواه الدراسي، وقد يتعرض للإرهاق أو الإصابات أو الاستغلال من أصحاب العمل. والأسوأ من ذلك أن الطفل قد يعتاد منذ الصغر على أن دوره الأساسي هو جلب المال بدلًا من التعلم وبناء مستقبله.

 

لذلك فإن مكافحة تشغيل الأطفال لا تعني فقط منع الطفل من العمل، وإنما تعني أيضًا مساعدة الأسرة نفسها حتى لا تضطر إلى الاعتماد على دخل الطفل.

 

هل الحل هو معاقبة الأهالي فقط؟

 

من الضروري وجود عقوبات رادعة على كل من يستغل الأطفال أو يدفعهم إلى أعمال تعرضهم للخطر، سواء كان صاحب العمل أو أي شخص آخر يستغل حاجة الطفل.

 

لكن معاقبة الوالدين وحدها ليست حلًا كافيًا، خاصة عندما تكون الأسرة في حالة فقر شديد. فالأفضل أن يجمع القانون بين الحماية والعقوبة والدعم الاجتماعي. ويجب أن تتدخل الجهات المختصة عندما يكون الطفل معرضًا للخطر، وأن تعمل على حماية الطفل ومساعدته على العودة إلى التعليم وتوفير الرعاية المناسبة له. وتوجد بالفعل في مصر منظومة لخدمات الأطفال المعرضين للخطر، وتستند إلى قانون الطفل وآليات الحماية الاجتماعية.

 

المطلوب حماية الطفل والأسرة معًا

 

مواجهة تشغيل الأطفال تحتاج إلى تعاون الدولة والمدرسة والأسرة والمجتمع. ويجب توفير فرص عمل مناسبة للآباء والأمهات، وتوسيع برامج الدعم للأسر الأكثر احتياجًا، ومساعدة الأطفال على الاستمرار في التعليم، وتشديد الرقابة على الأماكن التي يمكن أن يُستغل فيها الأطفال.

 

كما يجب تطبيق القانون على من يستغل الأطفال في أعمال خطرة أو يحرمهم من التعليم، مع التعامل مع الأسرة الفقيرة باعتبارها تحتاج إلى دعم وإرشاد إلى جانب المساءلة في الحالات التي يثبت فيها تعمد استغلال الطفل.

 

وفي النهاية، فإن الطفل يجب أن يعيش طفولته، ويتعلم، ويلعب، ويحلم بمستقبله، لا أن يحمل مسؤولية الأسرة الاقتصادية وهو ما زال صغيرًا. حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة وحدها، وإنما مسؤولية المجتمع والدولة والقانون. وإذا أردنا بناء مجتمع أفضل، فعلينا أن نحمي أطفاله من الاستغلال، وأن نحارب الفقر الذي يدفعهم إلى العمل، وأن نضمن لكل طفل الحق في التعليم والأمان والحياة الكريمة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار