
أيام في الجامعات المصرية
لواء دكتور/ سمير فرج
يمثل الشباب في مصر حاليًا نحو 60% من تعداد الوطن، وهم القوة الحقيقية التي ستقود مسيرة التنمية في السنوات القادمة. ومن هذا المنطلق بدأتُ منذ عدة سنوات مبادرة سنوية للتوعية داخل الجامعات المصرية، مستغلًا احتفالات مصر بذكرى نصر أكتوبر المجيد، تلك الحرب التي حقق فيها الجيش المصري، مسنودًا بإرادة الشعب، أعظم انتصارات العصر الحديث. وانطلقت في جولات شملت الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة في مختلف ربوع الجمهورية، من شمالها إلى جنوبها، لألتقي بالشباب الذين لم يعاصروا حرب أكتوبر، وأشرح لهم كيف تحقق هذا النصر العظيم، وكيف تكامل دور الجيش والشعب في معركة استرداد الكرامة والأرض.
وخلال هذه اللقاءات لا أكتفي بسرد صفحات التاريخ، عن حرب أكتوبر بل أخصص جزءًا مهمًا للحديث عما تواجهه مصر حاليًا من تحديات وأخطار، ولتوضيح جهود الدولة، قيادةً وشعبًا وجيشًا، في حماية الأمن القومي المصري. وأؤكد دائمًا أن السلام والاستقرار اللذين تعيشهما مصر اليوم، وما يصاحبهما من تطوير للبنية الأساسية، وإنشاء للمدن الجديدة، وبناء للمصانع، واستصلاح لملايين الأفدنة، وتطوير لقناة السويس، لم يكن ليتحقق أو يستمر دون وجود جيش قوي يحمي هذا السلام ويصونه. وأشير كذلك إلى أن كثيرًا من شباب اليوم لم يعد يعتمد على وسائل الإعلام التقليدية من صحف وإذاعة وتليفزيون، بل أصبحت معلوماته في الأغلب من وسائل التواصل الاجتماعي، التي ينتشر عبر بعضها محتوى مضلل أو موجه لا يخدم استقرار الوطن، بل تسعى بعض الجهات من خلاله إلى نشر الشائعات وبث التشكيك.
وخلال زياراتي التي تجاوزت في بعض الأعوام ثلاثين جامعة، فوجئت برغبة حقيقية لدى الشباب في معرفة الحقيقة كاملة، وكان التعليق المتكرر في أغلب اللقاءات هو أن هذه أول مرة يسمعون فيها شرحًا متكاملًا لهذه القضايا. ومن هنا تبدأ الأسئلة، ويدور الحوار، ويتم توضيح النقاط التي وصلت إليهم بصورة مغلوطة، خاصة تلك التي تُبث عبر منصات معادية. ومع تزايد التفاعل، شعرت بأهمية استمرار هذه الجولات، بل وتوسيع نطاقها.
ولهذا امتدت الزيارات هذا العام إلى بعض المدارس الثانوية، خاصة الأجنبية منها، بعدما تبين أن بعض المناهج تعرض فترات من التاريخ المصري بصورة غير دقيقة، بل إن هناك من يروج لروايات خاطئة حول نتائج حرب أكتوبر. وأن المنتصر في هذه الحرب هو الجانب الإسرائيلي، ومن هنا كان من الضروري اللقاء بالطلاب لتصحيح المفاهيم وترسيخ الفهم السليم للتاريخ الوطني. كما شرفت بلقاءات موسعة مع طلاب جامعة الأزهر، وكان لقائي بطلاب جامعة القاهرة في قاعة الاحتفالات الكبرى، بحضور نحو 2500 طالب، من أبرز اللقاءات، حيث استغرقت فترة الأسئلة وقتًا أطول من زمن المحاضرة نفسها، وهو ما يعكس حجم الاهتمام والرغبة في الفهم.
ومن اللقاءات المهمة أيضًا محاضرتي بدعوة من وزير الأوقاف أمام عدد كبير من الدعاة من مختلف المحافظات، لأن الخطيب في المسجد أو الواعظ في القرية له دور محوري في تشكيل الوعي، ومن المهم أن يكون ملمًا بحجم التحديات التي تواجه الدولة، وبمسؤولية كل مواطن في دعم وطنه وجيشه. وقد شعرت هذا العام أن قضية التوعية لم تعد مجرد نشاط، بل أصبحت ضرورة وطنية، لأن الاستقرار يحتاج إلى وعي، والوعي هو خط الدفاع الأول.
وبعيدًا عن جانب التوعية، طُلب مني الانضمام إلى مجالس بعض الجامعات المصرية مثل جامعة الزقازيق، وجامعة سوهاج، وجامعة الأقصر الجديدة. ومن خلال حضوري جلسات هذه المجالس، التي تُعقد دوريًا وبحضور المحافظين المعنيين، في كل محافظة شهدت عن قرب آلية العمل داخلها. وقد لمست حرصًا حقيقيًا من أعضاء هذه المجالس على تطوير العملية التعليمية، والسعي الدائم لرفع تصنيف الجامعة عالميًا، وكان السؤال المتكرر في كل اجتماع هو: ماذا قدمنا هذا الشهر من أبحاث ودراسات تسهم في رفع مكانة الجامعة عالميا وكيف ندعم الباحثين ونشجع الابتكار؟ وكانت المناقشات تمتد لساعات حول تطوير المناهج بما يتماشى مع المعايير العالمية، وتعزيز التعاون مع الجامعات الأجنبية عبر بروتوكولات شراكة وتوأمة.
وأكثر ما أسعدني هو الحرص الشديد على مصلحة الطلاب، خاصة عند مناقشة الحالات الفردية التي تتطلب قرارات مصيرية، حيث وجدت أن القرارات تُتخذ بروح القانون، ولكن بروح الأسرة أيضًا، وكأن المجلس ينظر إلى الطالب باعتباره أحد أبنائه. وقد ذكّرني ذلك بقرارات الدولة خلال الأزمة الروسية الأوكرانية، عندما تم العمل على إعادة الطلاب المصريين الدارسين هناك وحل مشكلاتهم، بروح المسؤولية الأبوية ذاتها، حيث تدخل الرئيس عبد الفتاح السيسي شخصيا لضمان الا يتأثر أي طالب من دراسة في روسيا وأوكرانيا.
وهذا يدفعني إلى القول بضرورة أن تقوم وزارة التربية والتعليم بمراجعة مناهج الدراسة الأجنبية داخل مصر، وخاصة مادة التاريخ، لأنها تمثل عنصرًا أساسيًا في تشكيل وعي الجيل الجديد. فالمعلومات التي تترسخ في أذهان الطلاب خلال المرحلة الثانوية تبقى معهم لسنوات طويلة، ولذلك أرجو تشكيل لجان من الوزارة لمراجعة هذه المناهج بدءًا من العام القادم.
وفي النهاية، يمكنني القول إن ما تشهده الجامعات المصرية اليوم يمثل ثورة علمية حقيقية، هدفها إعداد جيل جديد مسلح بالعلم والوعي والقيم، قادر على قيادة الوطن في المستقبل. فالشباب هم الثروة الحقيقية لمصر، وإذا تم إعدادهم إعدادًا سليمًا، فإنهم سيقودون البلاد إلى آفاق أوسع من التقدم والاستقرار، ليبقى الوطن قويًا بأبنائه، آمنًا بوعيهم، وماضيًا بثقة نحو المستقبل.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.