العاصمة

الأرصفة تقرأ •• والمولات تبيع عندما تُلمَّع الأحذيه على الأرفف وتُترك العقول على الأرصفة

0

بقلم لواء د. أحمد زغلول مهران

المشرف العام على مركز رع للدراسات الاستراتيجية

الأمم التى تضع الكتاب على الهامش تضع مستقبلها فى الهامش أما الأمم التى تجعل المعرفة فى الصدارة فهى التى تكتب تاريخها بوعى وقوة

مفارقة تكشف واقعاً مقلقاً

فى شوارع المدن العربية يظهر مشهد يكشف أزمة ثقافية عميقة كتب مكدسة على الأرصفة يتصفحها المارة على عجل بينما على الجانب الآخر تتألق واجهات المولات والفنادق والمحال التجارية فى صالات مكيفة مضاءة بأبهى الأضواء تُعرض فيها الأحذية وكأنها تحف فنية ثمينة ومن هذا المشهد وُلدت عبارة أصبحت مرآة صادقة لوضعنا :

“عندما تُباع الأحذية فوق أرفف زجاجية فى محلات مكيفة وتُباع الكتب فوق الأرصفه اعلم أننا اهتممنا بأقدامنا وأهملنا عقولنا ”

ليست المشكلة فى الأحذية ولا الأسواق بل فى ترتيب الأولويات حين يصبح الاستثمار فى المظهر أكبر من الاستثمار فى الفكر نخسر مستقبلنا الثقافي .

الكتاب محور الحضارة

لم تكن المعرفة ترفاً فى تاريخ الأمة العربية والإسلامية بل كانت العمود الفقري للحضارة كالاتى :
– بدأت الرسالة الإسلامية بكلمة “ اقرأ ” إعلاناً بأن العلم حجر الأساس للمجتمع .

ازدهرت المكتبات فى المدن الكبرى وارتفعت حركة الترجمة والبحث العلمي فى بغداد وبيروت ودمشق والقاهرة كان الكتاب ثروة فكرية ومكانة اجتماعية لكن مع مرور الزمن وتغير الظروف التاريخية بدأت هذه المكانة تتراجع تدريجياً وأصبح الكتاب سلعة هامشية لدى قطاعات واسعة .

عصر الاستهلاك وتغير الأولويات

مع التطورات الاقتصادية ووسائل الإعلام الحديثة دخل المجتمع العربي عصر الاستهلاك المكثف على النحو التالي :
– قياس النجاح بالمظاهر المادية أكثر من الفكر .
– اهتمام أكبر بالملابس والسيارات والعلامات التجارية .
– تراجع القراءة بين الشباب .

أصبح الإنسان يومياً معرضاً لمئات الرسائل التسويقية بينما تقل الرسائل التى تحفزه على التفكير والمعرفة وهكذا يميل ميزان القيم نحو الاستهلاك على حساب الثقافة .

مصر ذاكرة الثقافة العربية

لطالما كانت مصر القلب الثقافي للعالم العربي :

مركز الصحافة العربية الحديثة .

حركة نشر واسعة ومدارس فكرية وأدبية أثرت فى المنطقة .

القاهرة مركز رئيسي للإنتاج الثقافي والفكري .

لكن التحولات الحديثة فرضت تحديات وهى :

تغير عادات القراءة لدى الأجيال الجديدة .

هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على وقت الشباب .

الضغوط الاقتصادية على سوق الكتاب وارتفاع الأسعار .

تراجع الإعلام الثقافي مقارنة بالترفيهي .

ورغم كل ذلك تمتلك مصر رصيداً ثقافياً هائلاً يمكن أن يكون اساساً لنهضة معرفية حقيقية .

معرض الكتاب •• الاحتفال الذى يحتاج إلى ما بعده

كل عام تحتفى مصر بمعرض القاهرة الدولي للكتاب أحد أكبر المعارض الثقافية العربية .

ملايين الزوار يشاركون والإعلام يسلط الضوء ويتحول الحدث إلى موسم ثقافي .

لكن السؤال المهم بعد انتهاء المعرض ماذا بعد المعرض؟

هل تتحول هذه الحماسة الموسمية إلى عادة يومية؟

هل يصبح الكتاب جزءاً طبيعياً من حياة المجتمع؟

الحقيقة أن الاحتفال السنوي لا يكفي وحده لبناء مجتمع قارئ فالثقافة تحتاج إلى استمرارية يومية في التعليم والإعلام والمجتمع .

القراءة •• صناعة الوعي

الكتاب ليس مجرد أوراق مطبوعة بل هو أداة لصناعة العقل تمنح القراءة الإنسان القدرة على الاتى :

التفكير النقدي .

فهم التاريخ والسياسة .

تحليل الأحداث .

التمييز بين الحقيقة والدعاية .

عندما تتراجع القراءة ينخفض مستوى الوعي العام ويصبح المجتمع عرضة للشائعات والأفكار السطحية الثقافة إذاً ليست رفاهية بل ضرورة حضارية .
لماذا تخشى الأمم المتقدمة تراجع القراءة؟

الدول المتقدمة تدرك أن القوة الحقيقية لا تقاس بالاقتصاد أو الموارد فقط بل بمستوى المعرفة والوعي لدى المواطنين .

المجتمعات القارئة تمتلك قدرة أكبر على الاتى :

الابتكار والتطوير .

التفكير النقدي .

المشاركة الواعية فى صنع القرار .

لهذا تستثمر الدول فى التعليم والمكتبات وصناعة الكتاب لأنها تدرك أن المعركة الحقيقية فى القرن الحادى والعشرين هى معركة العقول ( الوعى ) .

كيف تنهض الأمم؟

التجارب الدولية الحديثة تؤكد أن الاستثمار في العقل والوعي أساس النهضة فاليابان وكوريا الجنوبية وسنغافورة ركزت على التعليم والابتكار فتحولت خلال عقود قليلة إلى قوى اقتصادية مؤثرة.

الحقيقة •• الأمم لا تنهض بثرواتها الطبيعية بل بعقول أبنائها.

توصيات لمتخذ القرار

لإعادة الاعتبار للثقافة والكتاب نقترح الاتى

١- اقامة مشروع قومي دائم للقراءة .
٢- نشر ثقافة الكتاب بين الطلاب والشباب .
٣- دعم صناعة النشر وتقليل تكلفة الكتاب وتوسيع الانتشار .
٤- تطوير المكتبات العامة وتحويلها إلى مراكز ثقافية حية .
٥- دعم الكتاب الرقمي وإتاحة المعرفة للأجيال الجديدة بسهولة .
٦- تعزيز الإعلام الثقافي ودمج الفكر والمعرفة فى الخطاب الإعلامى اليومي .

فى النهايه •• المفارقة التى تختصرها عبارة :
“الأحذية فى صالات العرض والكتب على الأرصفة”
ليست مجرد صورة بل جرس إنذار حضاري الأمم التى تهتم بالمظهر أكثر من العقل قد تسير بعيداً لكنها قد تفقد الاتجاه أما المجتمعات التى تستثمر فى المعرفة فهى التى تمتلك القدرة على رسم مستقبلها بثقة النهضة الحقيقية لا تبدأ من الأسواق بل تبدأ دايماً من العقول التى تقرأ وتفكر .


اكتشاف المزيد من بمؤسسة بوابة العاصمة لتنمية المجتمع

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار