
من الكاميرا الخفية إلى رامز ليفل الوحش.. كيف أعادت معركة التريند تشكيل محتوى المقالب في رمضان؟
أحمد عمر
يتجدد الجدل كل عام حول برامج المقالب، والتي أصبحت جزءً لا يتجزأ من الموسم الرمضاني، لكن الأمر مختلف هذا العام وأكثر غرابة وإثارة للجدل، خاصةً بعد عرض برنامج “رامز ليفل الوحش”؛ حيث لم يعد هذا النوع من البرامج كما عرفه الجمهور قبل سنوات، خاصةً في ظل تصاعد المنافسة على “الترند” وتحول منصات التواصل الاجتماعي إلى ساحة المعركة الأساسية لجذب الانتباه، وتغيرت معها فلسفة المحتوى الترفيهي بشكل لافت، فلم تعد تدور فقط حول إضحاك الجمهور، بل حول نجاحها في جذب انتباهه.
وفي سطور هذا التقرير، نناقش المعركة القائمة بين الترند والترفيه، وهل تغير مفهومنا ونظرتنا للضحك؟، وكيف تغير شكل المحتوى الترفيهي نفسه تحت ضغط المنافسة على الترند؟.. وللإجابة على هذه التساؤلات، تواصلت “الشروق” مع الدكتورة سارة فوزي، مدرس الإعلام الرقمي والإذاعة والتليفزيون في كلية الإعلام جامعة القاهرة.
أبرز الفروق بين مقالب الأمس واليوم
تقول الدكتورة سارة إن برامج المقالب قديما مثل “الكاميرا الخفية” كانت تُبنى على فكرة الموقف الواقعي ورد الفعل العفوي للجمهور، وكان الهدف الأساسي منها ترفيهيا بحتا، وأنها كانت تمثل فاصلا خفيفا للمشاهد بعد متابعة أعمال دينية أو درامية تناقش قضايا اجتماعية دسمة، وكانت تعتمد على أشخاص عاديين يتفاعلون بشكل طبيعي مع الموقف دون معرفة مسبقة أو اتفاقات.
وتشير إلى أن عنصر العفوية كان أحد أهم أسباب تصديق الجمهور لمقالب الماضي، كما أنها كانت قريبة من الواقع؛ إذ كان المشاهد يرى أن هذا الموقف قد يحدث له في أي وقت، لدرجة أن البعض كان يتساءل في مواقف يومية طريفة: “هي دي الكاميرا الخفية ولا إيه؟”
وترى أن فلسفة الترفيه تغيرت من الاعتماد على الفكرة الإبداعية والموقف الكوميدي إلى السعي وراء صناعة لحظة صادمة قابلة للتداول على مواقع التواصل الاجتماعي، مشيرة إلى أن بعض المحتوى الحالي قد يتضمن مواقف تحمل طابع الإحراج العلني أو المضايقات في سبيل إثارة الجدل، وهو ما تعتبره انتقاصا من الكرامة الإنسانية مقارنة بما كانت تقدمه البرامج القديمة التي اتسمت بقدر أكبر من البساطة والتلقائية.
هل تغير ذوق الجمهور؟
ورغم الاعتقاد الشائع بأن الأجيال الجديدة، خاصة جيلي “زد” و”ألفا”، أعادت تعريف الكوميديا، لكن من وجهة نظر الدكتورة سارة فإن تعريف الضحك لم يتغير جوهريا، فالإنسان لا يزال يضحك على الموقف الكوميدي الذكي.
لكن ترى أن المشكلة تكمن في الاستسهال لدى بعض صناع المحتوى، من خلال الاعتماد على ما يُعرف بالكوميديا الهزلية، وهي من أضعف أنواع الكوميديا في العالم، والتي تقوم على المبالغة والسخرية المباشرة والسطحية بدلا من بناء موقف يخاطب عقل ومشاعر المشاهد.
الخوارزمية قبل الجمهور
وتؤكد أستاذة الإعلام الرقمي أن الخوارزميات أصبحت لاعبا رئيسيا في تشكيل المحتوى الترفيهي؛ إذ تدفع الشركات المنتجة إلى تصميم مقاطع قابلة للاقتطاع والنشر على هيئة فيديوهات قصيرة تتناسب مع طبيعة منصات مثل تيك توك وفيسبوك وإنستجرام، مشيرة إلى أنه بالرغم من أن منصة إنستجرام قننت تأثير الخوارزميات، وأصبح للجمهور الحق في التحكم فيما يريد مشاهدته، لكن المنصات الأخرى ما زال تأثير الخوارزميات بها كبيرا جدا دون تحليل حقيقي للمحتوى.
وتضيف أن هذا التوجه دفع بعض صناع المحتوى إلى تقديم أعمال تستهدف إرضاء الخوارزمية قبل الجمهور، من خلال التركيز على القضايا الجدلية أو المواقف المثيرة التي تضمن نسب مشاهدة وتفاعل مرتفعة، في إشارة إلى أن البرامج التليفزيونية لم يعد يتم إنتاجها فقط في شكل حلقات متكاملة، بل باتت تُجزأ إلى مقاطع قصيرة يتم نشرها بشكل منفصل على المنصات الرقمية، في محاولة لصناعة لحظة ترند قد تدفع المشاهد لاحقا لمتابعة الحلقة كاملة.
التصعيد لجذب الأجيال الأصغر
وتوضح أستاذة الإعلام أن اتجاه المقالب الحديثة في التصعيد أو الإحراج العلني يرتبط بطبيعة الجمهور الأصغر سنا على المنصات الرقمية، والسمات النفسية للجيل الحالي الذي يميل إلى المحتوى السريع والمثير والمليء بالمخاطرة، وهو ما انعكس بدوره على طبيعة المقالب المقدمة حاليا سواء في البرامج التليفزيونية أو عبر ريلز تيك توك، وبالتالي سينعكس ذلك على تعزيز السمات النفسية لهذا الجيل، وهو أمر خطير.
وتشير إلى أن هذه الظاهرة لا تقتصر على برامج المقالب، بل تمتد إلى أنماط مختلفة من الثقافة الشعبية، حيث أصبح الإحراج أو المواجهة العلنية جزءً من أدوات الجذب والانتباه في العصر الرقمي.
المستقبل للفكرة أم لرد الفعل؟
وترى الدكتورة سارة أن برامج المقالب ستستمر ولن تختفي، لكن مستقبلها سيظل مرهونا بقدرتها على استعادة عنصر الفكرة الذكية ورد الفعل الإنساني الحقيقي.
وتستشهد بتجارب مثل برنامج “الصدمة”، الذي قدم نموذجا مختلفا قائما على مواقف تحمل رسائل إنسانية حول التضامن والتعاطف والرحمة، وحقق نجاحا جماهيريا لابتعاده عن التصعيد واعتماده على التفاعل الحقيقي، مؤكدة أن هذا النوع من المحتوى القائم على رسالة واضحة وتفاعل عفوي هو الأقدر على الاستمرار، سواء عبر شاشة التليفزيون أو منصات التواصل الاجتماعي.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.