
رمضان ليس شهرًا… بل نجاة
بقلم الدكتورة عبير محمود خلف
يأتي رمضان كل عام وكأنه رسالة رحمة خاصة موجهة إلى قلوبنا المتعبة، يطرق أبواب أرواحنا برفق، ويهمس لنا أن الفرصة ما زالت قائمة، وأن الطريق إلى الله لا يُغلق أبدًا. رمضان ليس مجرد شهر نصوم فيه عن الطعام والشراب، بل هو زمن نصومعنوان قوي غير تقليدي فيه عن كل ما أثقل أرواحنا، عن الحزن، عن الغضب، عن القسوة، وعن كل ما أبعدنا عن حقيقتنا النقية. إنه شهر الخير والمغفرة والعتق من النار، شهر يمنحنا فرصة نادرة لنعود إلى أنفسنا كما خلقنا الله: أنقياء، مطمئنين، ومتصالحين.
في زحام الحياة، ننسى أنفسنا كثيرًا. نركض خلف المسؤوليات والهموم، ونؤجل راحتنا الداخلية إلى وقتٍ غير معلوم. لكن رمضان يأتي ليوقف هذا الركض، ليذكرنا أن الروح أيضًا تحتاج إلى غذاء، وأن القلب يحتاج إلى تطهير كما يحتاج الجسد إلى راحة. في لحظات الصيام، نشعر بضعفنا الإنساني، فنقترب أكثر من الله، وندرك أننا لسنا مكتفين بأنفسنا، بل نحن دائمًا بحاجة إلى رحمته وعفوه. هذا الشعور لا يُضعفنا، بل يُعيد إلينا قوتنا الحقيقية.
رمضان هو شهر المغفرة، والمغفرة ليست فقط أن يغفر الله لنا، بل أن نغفر نحن لأنفسنا أيضًا. كم من مرة حملنا أخطاء الماضي كعبء ثقيل، وكم من مرة جلدنا أنفسنا على قرارات انتهت منذ زمن؟ رمضان يعلمنا أن الله يغفر، فلماذا لا نغفر لأنفسنا؟ يعلمنا أن البداية الجديدة ليست حلمًا بعيدًا، بل قرارًا يولد في لحظة صدق. عندما نسامح أنفسنا، نتحرر من قيود الندم، ونفتح أبواب الأمل من جديد.
وهو أيضًا شهر التصالح. التصالح مع الله أولًا، بالعودة الصادقة والدعاء الصادق، والتصالح مع الآخرين، بترك الخصام ومدّ يد السلام، والأهم التصالح مع الذات. أن ننظر إلى أنفسنا برحمة، أن نقبل ضعفنا الإنساني دون أن نفقد إيماننا بقدرتنا على التغيير. في هدوء ليالي رمضان، وبين ركعات الصلاة وهمسات الدعاء، نجد أنفسنا من جديد. نجد ذلك الصوت الداخلي الذي ضاع وسط ضجيج الأيام، ونشعر أننا أقرب إلى حقيقتنا من أي وقت مضى.
العتق من النار ليس فقط وعدًا أخرويًا، بل هو أيضًا تحرر في الدنيا. تحرر من الخوف، من القلق، من الشعور بالضياع. عندما يمتلئ القلب بالإيمان، تخف وطأة الحياة، وتصبح التحديات أقل قسوة. ندرك أن كل شيء مؤقت، وأن السلام الحقيقي لا يأتي من الخارج، بل يولد في الداخل، في قلبٍ عرف طريقه إلى الله.
رمضان ليس نهاية، بل بداية. بداية علاقة جديدة مع الله، وبداية سلام جديد مع النفس، وبداية إنسان جديد أكثر رحمة، وأكثر وعيًا، وأكثر نورًا. ومن أعظم خسارة أن ينتهي رمضان دون أن نخرج منه بقلوبٍ أخف، وأرواحٍ أنقى، ونفوسٍ أقرب إلى الله. فلنجعل هذا الشهر نقطة تحول، لا مجرد ذكرى عابرة، ولنجعل منه ميلادًا حقيقيًا لأرواحنا، ميلادًا يظل معنا حتى بعد أن ينتهي الشهر، ويبقى أثره نورًا يضيء بقية
الطريق
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.