
رمضان مدرسة الإيمان الكبرى
بقلم الدكتورة عبير محمود خلف
يأتي شهر رمضان المبارك كل عام حاملاً معه نفحات إيمانية عظيمة، تفيض بالخير والرحمة والسكينة، وتفتح أبواب السماء لاستقبال دعوات الصائمين، وتتهيأ فيه القلوب للتقرب إلى الله تعالى. إنه شهر ليس كسائر الشهور، بل هو موسم للطاعة، وفرصة عظيمة لمراجعة النفس، وتطهير القلب، وتجديد العهد مع الله.
رمضان هو شهر العبادة بامتياز، حيث فرض الله تعالى فيه الصيام، ليكون وسيلة لتزكية النفس وتهذيبها، وتعويدها على الصبر والتحمل. فالصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو امتناع عن كل ما يغضب الله، من قول سيئ أو فعل غير محمود. وفي ذلك تدريب للنفس على التقوى، حيث يشعر الإنسان برقابة الله عليه في السر والعلن، فيرتقي سلوكه، وتسمو روحه.
وفي هذا الشهر الكريم، تتضاعف الحسنات، وتُغفر الذنوب، وتُفتح أبواب الرحمة. إنها أيام مباركة يشعر فيها المؤمن بالقرب من ربه، ويجد فيها راحة لم يكن يشعر بها في غيرها. فالقلوب في رمضان تكون أكثر صفاءً، والنفوس أكثر ميلاً للخير، والناس أكثر تعاونًا وتسامحًا. ترى التكافل الاجتماعي في أبهى صوره، حيث يسارع الناس إلى الصدقات، وإطعام الفقراء، ومساعدة المحتاجين، ابتغاء مرضاة الله.
ومن أعظم ما يميز رمضان أنه شهر الرحمة. فالرحمة تتجلى في كل مظاهره، في العبادات، وفي العلاقات بين الناس، وفي شعور الإنسان بالآخرين. عندما يشعر الصائم بالجوع والعطش، يتذكر إخوانه المحتاجين، فيرق قلبه، ويزداد إحساسه بالمسؤولية تجاههم. وهكذا يربي رمضان في النفوس معاني الرحمة والتعاطف، ويجعل المجتمع أكثر تماسكًا وترابطًا.
كما أن رمضان هو شهر العتق من النار، وهي من أعظم النعم التي يمنحها الله لعباده. ففي كل ليلة من ليالي رمضان، يعتق الله رقابًا من النار، وهذا يدفع المؤمن إلى الاجتهاد في العبادة، والإكثار من الدعاء والاستغفار، أملاً في أن يكون من هؤلاء الذين تشملهم رحمة الله ومغفرته. إنها فرصة لا تُقدر بثمن، يجب على كل مسلم أن يغتنمها، وأن يسعى فيها إلى إصلاح نفسه، والتوبة الصادقة من الذنوب.
ولا يمكن أن نغفل عن النفحات الإيمانية التي تميز هذا الشهر المبارك. فصلاة التراويح، وتلاوة القرآن، والدعاء في جوف الليل، كلها عبادات تبعث في النفس الطمأنينة، وتمنح القلب نورًا وسكينة. يشعر المؤمن في رمضان بقرب خاص من الله، وكأن بينه وبين السماء بابًا مفتوحًا لا يُغلق. هذه النفحات هي التي تعيد التوازن إلى حياة الإنسان، وتمنحه القوة لمواجهة تحديات الحياة.
ورمضان أيضًا هو شهر القرآن، ففيه نزل القرآن الكريم هداية للناس. ولذلك يحرص المسلمون على تلاوته وتدبر معانيه، ليكون لهم نورًا في حياتهم. فالقرآن في رمضان ليس مجرد تلاوة، بل هو منهج حياة، يوجه الإنسان إلى الطريق الصحيح، ويمنحه الحكمة والبصيرة.
وفي ختام هذا الشهر المبارك، يخرج المؤمن وقد تغير حاله إلى الأفضل، فقد تعود على الطاعة، وتعلم الصبر، وتزود بالإيمان. إن رمضان ليس مجرد أيام تنقضي، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة، تعلم الإنسان كيف يكون قريبًا من الله، وكيف يكون إنسانًا أفضل.
فلنحرص جميعًا على اغتنام هذا الشهر العظيم، ولنملأ أيامه بالطاعة، ولياليه بالقيام، وقلوبنا بالإيمان، حتى نكون من الفائزين برحمة الله ومغفرته وعتقه من النار. نسأل الله أن يبلغنا رمضان أعوامًا عديدة، وأن يجعلنا فيه من المقبولين، وأن يرزقنا فيه الخير والرحمة والبركة.
إن رمضان فرصة جديدة للحياة، وبداية مشرقة لكل من أراد القرب من الله، والفوز برضاه، والعيش في نور
الإيمان وسكينة القلب.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.