
بين محمد بن سلمان وسعد الحريري قصة وطن ضائع
علاء حمدي
كتبت د . ليلي الهمامي
لن أكون في قولي من المجاملين الحريصين على مشاعر الآخر، بل انني أعتقد أن سبيل الشفاء يحتاج مفعول الرجة، ولو في شكل صدمة كهربائية.
نقف اليوم، على مفترق طرق بين عالم غربي يَغرُب حدّ الأُفول، يتمزق يوما بعد يوم، تتآكل مؤسساته، وتتناحر مكوناته بين عنصرية وفاشية جديدة، ويسار يلازم في حميمية مشبوهة، اسلاموية دموية متطرفة…
غربٌ تتنافى أطرافُه ويتخلى بعضَه عن بعض؛ أمريكا، الإتحاد الأوروبي، الناتو (الحلف الاطلنتي)… تستعيد امبراطوريات الشرق عنفوانها مع الصين وروسيا… قوى تستفيق من سبات عصور ومن انكسارات الماضي لتنتزع لها مكانا في مصعد الزمن الجاري.
تعود إيقاعات الحرب الى سماء أوروبا، بعد أن سلم العقل الغربي بنهاية التاريخ، وانتقال الحرب الى العدم الأزليي. بعد تفكك حلف فرسوفيا، تستفيق أوروبا فجأة بعد اندلاع الحرب الروسية الاوكرانية على فاجعةِ سذاجتها الجيوستراتيجية، وبعد أن تخلى الحليف الأمريكي عن دوره في توفير المظلة التي منحها لأوروبا منذ انزال النورمنوندي. تعود حرب الامبراطوريات بكل ما تحمله من خدع ومن خيانات، تفتَح بوابات الغرب على كل المغامرات.
على بعد بضع قرون، يقف العرب مكبّلين بِـعُقَدِهم التاريخية التي لم يشفوا منها ولم توقظهم صفعات التاريخ المتتالية من غفوتهم…
لن أخصص ولن أعمم، لكنّني أرى في بؤس كل قُطر ما ينوب عن بؤس أمةٍ بحالها. وتابعتُ هذه الايام شؤون الساحة اللبنانية وتنقلت في فحص المعطيات بين تقديم الرئيس “نبيه بري” لترشّحه للإنتخابات البرلمانية، لولاية ثامنة، ليكون رئيسا للبرلمان اللبناني… في ذات السياق يعود الشيخ (السيناتور) سعد الحريري بعد طول غياب واحتجاب، وبعد أن عُنِّفَ في بلاط محمد بن سلمان، وبعد انسحابه الى صمت طويل، يعود الى واجهة الاحداث آخر الاسبوع المنقضي، ليعيّن ابن بهيّة الحريري عمّتَهُ نائبا لرئيس تيّار المستقبل… هذا علما وان امين عام التيار، احمد الحريري ليس الا شقيق سعد.
في النهاية، لبنان كتابٌ، فصولُه قصصٌ شخصيةٌ ومروياتِ أُسر وعائلاتٍ وطوائف تتقاسم جسد بلد اسمُه لبنان… “وليد بيك” يورّث ابنَـه زعامة الدروز والحزب الاشتراكي. كذلك هو حال الكتائب؛ توريث سامي جميّل ابن أمين جميّل الرئيس الأسبق…
وليس الوضع أفضل في باقي الاقطار العربية، فإما أن يكون الحكم محتكَرا، أو متقاسِما بمعنى الغنيمة. ولم يوصَف لبنان بالديمقراطيّ، الا لكونه أسَّسَ، لمحاصصة بين الإقطاعين، أمراء الطوائف والحرب، وزعماء السلم…
لا يزال العرب في مرحلة العصبية في مجتمع تمزقه النزاعات القبلية، ولا يزال الفضاء العام مجالا للغزو وللاكتساح الهمجيّ المدمر. فإن لم تكن الطائفة فستكون القبيلة، او العشيرة، وان لم تكن هذه او تلك، فستكون الجهة،،، وفي أفضل الحالات سيفتش العقل السياسي عن “نبل” منسي في دفاتر التاريخ المهمَل فيضيف لقب “نبيل”، لحكمِ شرعيةٍ تائهةٍ عن زمانها وعن مجتمعها…
هكذا يكون العرب في حال من البداوة الازلية، على الرغم من التعليب الحداثوي ومظاهره التكنولوجية البراقة.
لا يزال الامير أو الملك يحاذي “الرّب” في سلطانه، فيمنع من يريد ويمنح العطف والاحاطة لمن تميل إليه نفسه. لا تزال الأهواء تقود العرب ولا يزال المزاج يدفعهم نحو طريق فيها هلاكهم.
لا نزال نحتاج لآلة الدولة لكسر هذه الصخور، لننحت ذرات؛ هم المواطنون الذين في غيابهم ينتفي المجتمع المدني ويستحيل بناء الدولة المدنية.
كل تغيير يحتاج، بعد مراكمات صلب المجتمع، ان يكتسب مفاتيح الحكم لينجز النقلة النوعية في بنى المجتمع وآلياته. قد يستغرق الأمر سنوات، وقد تكون كلفته باهظة ومؤلمة، لكنه ضرورة تاريخية، مهما كانت التضحيات، من أجل ان نتدارك… لكي لا ننقرض.
د. ليلى الهمامي.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.