
رواية آلام وآمال (ج1)
بقلم : محمد عبد العزيز الهدهد
ذهب يوسف إلى البيت في خلسة، ودخل إليه دون أن يشعر أحد بتأخره، ولاذ بالفراش فارًا من ذلك المجهول الذي عاينه لأول مرة في حياته ولم يكن يعرف عنه شيئًا. التفَّ في لحافه حتى أخمص قدميه، وراح يفكر: ما الذي حدث؟ وما هذا الصوت الذي مزق ليل الحارة؟
أخذ اللاشعور يدير حبل الأفكار في رأسه الصغير: هل سنرى العم شديد مرة أخرى؟ هل سنسمع صوته حين كان يسحر الحارة كلها بطبلته؟ هل… وهل…؟ أسئلة متلاحقة تتدافع بلا رحمة، حتى أذَّن للفجر واستيقظ البيت كله، فقام هو الآخر معهم وصلّى الفجر.
ولم يكد ينتهي من الصلاة حتى أخذ يطرح الأسئلة على والديه: ما هو الموت؟ متى نموت؟ كيف يحدث؟ ماذا يعني؟ ولماذا؟
لكن الوالد لم يزد إلا بكلمة واحدة ثابتة، كأنها حجر أساس يوضع في قلب طفل يتعلم أول حقائق الدنيا:
«هو قدرُ الله… سينفذ وقتما يشاء، وهو مكتوب على كل المخلوقات، عاجلًا أو آجلًا. المهم أن تموت صالحًا، راضيًا عنك الله».
وراح يوسف يكمل نومه، يغوص في حبل أفكاره حتى النخاع، فإذا به يرى في منامه العم شديد وقد أقبل عليه مبتسمًا ضاحكًا، يقول له بصوت مطمئن:
«لا تخف يا يوسف… أنا في أسعد أيامي، أنا في أحسن حال.»
فقال له يوسف باندهاش: «أنت لم تمت يا عم شديد!»
فأجابه الرجل بوقار ممزوج برحمة: «يا بُني… الموتُ حقٌّ على الجميع. ولكني قابلتُ ربي وهو راضٍ عني. لم أؤذِ أحدًا من قبل، ولم أتكبّر على عباد الله يومًا. وكنتم أنتم… أطفال الحارة… أحبَّ الناس إلى قلبي.»
ثم تابع العم شديد وكأن صدره ينشرح بذكرى عزيزة:
«حين جاءني الموت، رأيتكم جميعًا أمامي، تتوسلون لله أن يرحمني. كنتُ أترككم تلعبون أمام بيتي ولا أطردكم، وكنت أستأنس بضحكاتكم… فسامحني الله ورحمني، وأدخلني الجنة.»
اقترب من يوسف وربت على كتفه قائلاً:
«جئتُ إليك لأطمئنك عليّ، فقد رأيتك البارحة شاحب الوجه، خائفًا خوفًا شديدًا… لا تخف يا بني، أنا بخير.»
فسأله يوسف بصوت متهدج: «هل سأراك مرة أخرى يا عم شديد؟»
فأجابه مبتسمًا: «نعم يا يوسف… ما دمت طيبًا وبخير.»
استيقظ يوسف من نومه مُسْتَريح البال، طيب القلب، هادئ النفس مما رآه في منامه من بشرياتٍ حملت ذلك الطفل الصغير إلى عالم الكبار من أوسع أبوابه. فها هو قد صار يعرف الموت، ويعرف الحياة بعد الموت، ويدرك معنى الراحة والخلود، ومعنى السعادة والشقاء—معانٍ قد يقف عندها بعض الكبار عاجزين عن إدراك كينونتها وهيئتها.
أخذ يحسب لكل نفسٍ يخرج منه ألف حساب، ويُراجعه في خلايا الضمير ألف مرة: هل… وهل… وهل…؟ لقد نمت داخله قيم الضمير والجمال المعنوي دون أن يدري؛ فكل ما يرضي الله يحمل في طياته الخير والجمال والحق.
راح يساعد الضعيف، ويعين المحتاج، ويطيع والديه، وقلّل من اللعب في الشارع. لقد استوعب الدرس، وأصبح كلما سمع الأذان هرول إلى المسجد ليصلي.
الناس تحبه وهو يحبهم؛ لا يعرف الغدر ولا الخيانة، وإن كان عقله بعدُ لا يستوعب فعل الخائنين والماكرين والمخادعين. لم يفهم بعدُ أن الحاجة قد تصنع من الإنسان ذئبًا جائعًا، فتنتزع منه مقوّمات الإنسانية، وتنكسر على عتبات الجوع قيمُ الضمير الجمالي.
فهذا القلب الصافي الذي يمتلكه يوسف لا يسمح له أن يرى العالم المتوحش من حوله، العالم الذي قد يرتدي ثياب الحملان وهو يخفي في صدره
قلوب الذئاب الضارية.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
https://shorturl.fm/mjrEr