
إبراهيم وإنشراح .. والسقوط فى بئر سبع
ايمان العادلى
في منتصف القرن الماضي عاش إبراهيم شاهين حياة عادية جدًا. كان يعمل موظفًا في مديرية العمل بالعريش، وتزوج من إنشراح علي مرسي، التي وُلدت في المنيا عام 1937م. انتقلت إنشراح مع زوجها إلى العريش، وأنجبا ثلاثة أبناء، ولم يكن أحد يتخيل أن هذه الأسرة الهادئة ستصبح بعد سنوات واحدة من أشهر الأسر المرتبطة بقضايا التجسس في مصر.
كانت حياة إبراهيم صعبة من الناحية المادية، ودخل في مشكلة وظيفية انتهت بحكم عليه بالسجن لمدة ثلاثة أشهر في قضية رشوة. وبعد خروجه من السجن حاول أن يبدأ من جديد، لكن جاءت حرب يونيو 1967م لتغير حياته بالكامل.
في يونيو 1967م احتلت إسرائيل سيناء، وكان إبراهيم موجودًا في العريش. ومع وجود القوات الإسرائيلية هناك، بدأت اتصالاته ببعض الإسرائيليين، ووفق الروايات التي تناولت القضية، جرى استدراجه للعمل لحساب المخابرات الإسرائيلية. بدأ الأمر بالمال، ثم تطور إلى تعاون منظم، وسافر إبراهيم إلى بئر سبع، حيث تلقى تدريبًا على التجسس واستخدام أجهزة الاتصال وإرسال المعلومات إلى إسرائيل.
عاد إبراهيم إلى مصر بعد تدريبه، وبدأ في جمع المعلومات وإرسالها إلى الجانب الإسرائيلي. ولم يظل الأمر سرًا بينه وبين زوجته طويلًا؛ فقد أصبحت إنشراح تدريجيًا شريكته في النشاط، وحملت اسمًا حركيًا هو «دينا»، بينما استخدم إبراهيم أسماء حركية خلال اتصالاته. وتعلم الزوجان طرق الاتصال السري والتشفير والتعامل مع أجهزة اللاسلكي.
ومع مرور الوقت لم تعد القضية مرتبطة بإبراهيم وحده. دخلت الأسرة بأكملها في دائرة النشاط، وتذكر المصادر أن أبناءهما الثلاثة، نبيل ومحمد وعادل، أصبحوا على علم بما يحدث وشاركوا بدرجات مختلفة في هذه الدائرة. وهكذا تحول منزل الأسرة إلى مكان تُدار منه اتصالات سرية وترسل منه المعلومات إلى إسرائيل.
استمرت هذه الحياة لسنوات. كان إبراهيم يجمع المعلومات، وكانت إنشراح تساعده، بينما كان الاتصال بالجانب الإسرائيلي يتم من خلال أجهزة لاسلكية ووسائل سرية. وتحدثت المصادر عن معلومات عسكرية وأمنية وصور لمواقع ومنشآت مصرية تم إرسالها إلى إسرائيل خلال تلك الفترة.
وفي 9 مارس 1969م استشهد الفريق عبد المنعم رياض على الجبهة. وربطت بعض الروايات الصحفية بين معلومات حصلت عليها إسرائيل من شبكة إبراهيم شاهين وبين معرفة تحركاته، إلا أن تفاصيل هذه الجزئية تحديدًا تختلف بين المصادر، ولذلك من الأفضل عدم اعتبار كل ما نُشر عنها حقيقة قضائية محسومة.
مرت السنوات، وجاءت حرب أكتوبر 1973م، واستمرت الأسرة في نشاطها وفق الروايات المنشورة عن القضية. لكن بعد الحرب بدأت الأجهزة المصرية في تكثيف جهودها لملاحقة شبكات التجسس، وبدأت الخيوط تضيق حول إبراهيم وشبكته.
كانت نقطة التحول جهاز اللاسلكي الذي تستخدمه الأسرة في الاتصال بإسرائيل. تمكنت الأجهزة المصرية من التقاط الإشارات الصادرة منه وتتبع مصدرها، وبعد عمليات مراقبة وتحريات تم تحديد المكان الذي تصدر منه الإشارات.
وفي فجر 5 أغسطس 1974م وصلت قوة من المخابرات المصرية إلى منزل إبراهيم شاهين. تم القبض عليه وتفتيش المنزل، وعُثر على جهاز الاتصال ومواد مرتبطة بالنشاط التجسسي. لكن المفاجأة أن إنشراح لم تكن موجودة وقت القبض عليه؛ كانت خارج مصر.
هنا لم تتسرع المخابرات المصرية في إعلان سقوط الشبكة، بل أبقت الأمر سريًا وانتظرت عودة إنشراح. وفي 24 أغسطس 1974 عادت إنشراح إلى القاهرة قادمة من الخارج، واتجهت إلى منزلها دون أن تعرف أن زوجها أصبح في قبضة المخابرات المصرية.
دخلت إنشراح المنزل، وكانت تظن أن أبناءها موجودون بشكل طبيعي، لكنها لم تكن تعرف أن رجال المخابرات موجودون أيضًا. وبعد فترة قصيرة اكتشفت الحقيقة، وأُلقي القبض عليها، وبذلك اكتمل سقوط الأسرة.
بدأ التحقيق مع إبراهيم وإنشراح، وكُشفت تفاصيل النشاط الذي استمر منذ سنوات. وفي 25 نوفمبر 1974م صدر الحكم في القضية، وكان من بين الأحكام الحكم بالإعدام على إبراهيم وإنشراح، مع صدور أحكام أخرى على الأبناء وفقًا لظروف وأعمار كل منهم.
لكن النهاية لم تكن واحدة للزوجين.
نُفذ حكم الإعدام في إبراهيم شاهين، وانتهت حياة الرجل الذي بدأ موظفًا بسيطًا في العريش ثم تحول إلى جاسوس يعمل لصالح إسرائيل. أما إنشراح فلم تُنفذ فيها العقوبة، وتذكر الروايات المنشورة أنها خرجت لاحقًا من مصر مع أبنائها وانتقلت إلى إسرائيل.
وهناك بدأت حياة جديدة تمامًا. غيرت إنشراح اسمها إلى «دينا بن دافيد»، وتغيرت أسماء أبنائها أيضًا، وعاشت الأسرة في إسرائيل بعيدًا عن مصر وعن إبراهيم الذي انتهت حياته بالإعدام.
مرت السنوات، وتحولت قصة إبراهيم وإنشراح إلى واحدة من أشهر قصص التجسس المرتبطة بفترة ما بعد حرب 1967م. وفي عام 1995م تحولت القصة إلى مسلسل «السقوط في بئر سبع»، المأخوذ عن رواية «إبراهيم وإنشراح» للكاتب عبد الرحمن فهمي، ليشاهد المصريون قصة الزوجين في عمل درامي بعد أكثر من عشرين عامًا على سقوطهما.
أما إنشراح، فقد عاشت في إسرائيل بقية حياتها. وفي نوفمبر 2021م انتهت آخر صفحة في قصتها، عندما توفيت هناك، بعد نحو 47 عامًا من القبض عليها في مصر.
وهكذا بدأت الحكاية بزوجين يعيشان حياة عادية في مصر، ثم جاء احتلال سيناء عام 1967 ليكون نقطة التحول. دخل إبراهيم عالم التجسس، ثم أصبحت زوجته شريكته، ودخل الأبناء في الدائرة، واستمرت الأسرة سنوات في إرسال المعلومات إلى إسرائيل، إلى أن قاد جهاز لاسلكي رجال المخابرات المصرية إلى المنزل في أغسطس 1974م.
في النهاية كان مصير الزوجين مختلفًا تمامًا: إبراهيم أُعدم في مصر، وإنشراح خرجت إلى إسرائيل وعاشت هناك حتى وفاتها عام 2021م.
وهذه هي القصة الحقيقية التي أصبحت بعد ذلك مسلسل «السقوط في بئر سبع».


التعليقات مغلقة.