
( حين عادت الكلمة إلى عرشها ) الشاعر أحمد يحيى يُعيد إحياء فن الإلقاء في أمسية ثقافية بقصر ثقافة مصطفى كامل
بقلم الشاعرة / هند يوسف
ليست كل الكلمات تُقال فتُسمع وليست كل الأصوات تترك أثرً فهناك من يمتلك موهبة تحويل الحروف إلى إحساس والمعاني إلى مشاهد حية تسكن الوجدان ومن هنا تأتي عظمة فن الإلقاء ذلك الفن العريق الذي يمنح الكلمة روحها ويجعلها قادرة على ملامسة العقول والقلوب
كان لي الشرف في حضور هذه الأمسية الثقافية والادبية المميزة بنادي أدب قصر ثقافة مصطفى كامل حملت عنوان «محاضرة في فن الإلقاء – الجزء الثالث» وكانت أمسية أعادت تسليط الضوء على فن يستحق أن يظل حاضرًا في وجداننا الثقافي وسط نخبة من محبي الأدب والثقافة والكلمة الراقية
وكانت للشاعرة الدكتورة صباح غريب رئيسة نادي أدب قصر ثقافة مصطفى كامل بصمتها الواضحة في هذه الأمسية فهي قامة أدبية وثقافية تستحق كل التقدير لما تقدمه من جهد وعطاء في خدمة الحركة الأدبية وحرصها على أن يظل النادي منارة للكلمة والإبداع ومنبرًا يجمع أصحاب الفكر والأدب. فلها حضورها الراقي ورؤيتها الثقافية التي تمنح الفعاليات قيمة خاصة وتؤكد أن وراء كل نشاط ثقافي ناجح جهدًا وإخلاصًا وإيمانًا برسالة الأدب
كما كان للشاعر خالد نور دور مميز في إدارة الندوة حيث أدار الحوار باقتدار وتميز بحضوره الأدبي وثقافته الواسعة وحسن تفاعله مع المحاضر والحضور فله كل التقدير على ما أضفاه على اللقاء من حيوية وتنظيم وعلى حضوره الذي يعكس شغفًا حقيقيًا بالكلمة والأدب.
أما نجم هذه الأمسية فكان المحاضر الكبير الشاعر الأستاذ أحمد يحيى الذي أخذ الحضور في رحلة ثرية للتعرف على فن الإلقاء وأسراره وأهميته باعتباره أكثر من مجرد قراءة لنص مكتوب أو حديث أمام الجمهور
ولقد قدم الأستاذ أحمد يحيى نموذجًا للمثقف الذي يحمل رسالة ويؤمن بقيمة ما يقدمه فقد ارتبط اسمه بالحديث عن فن الإلقاء ونشر الوعي بأهميته في رحلة طويلة من العطاء والاهتمام بفن يستحق أن يستعيد مكانته في حياتنا الثقافية
ومن خلال محاضراته المتواصلة يسعى إلى تعريف الأجيال بقواعد هذا الفن وأسراره موضحًا أهمية نبرة الصوت ومخارج الحروف والوقفات ولغة الجسد في إيصال المعنى والتأثير في المتلقي ففن الإلقاء تاريخ عريق ورسالة متجددة يمتد فن الإلقاء بجذوره إلى تاريخ قديم فقد كان وسيلة لنقل المعرفة والتأثير في الجماهير وحفظ التراث وإيصال الشعر والخطابة إلى الناس وعرفت الحضارات العربية مكانة الخطيب والشاعر وصاحب الكلمة المؤثرة وظل الإلقاء عبر العصور جسرًا يصل بين صاحب الفكرة والمتلقي
ومن هنا تبرز أهمية تجربة الأستاذ أحمد يحيى الذي أسهم على مدار سنوات في إحياء الاهتمام بهذا الفن وإعادة تقديمه للأجيال الجديدة مؤكدًا أن الإلقاء الحقيقي ليس مجرد ارتفاع في الصوت أو استعراض للحروف بل هو إحساس بالمعنى وقدرة على منحه روحًا تصل إلى القلب والعقل فليس كل من يقرأ نصًا يستطيع أن يلقيه وليس كل من يتحدث يستطيع أن يترك أثرًا فالكلمة تحتاج إلى أداء صادق ووعي بما تحمله من مشاعر ومعانٍ حتى تصل إلى المستمع وتبقى في وجدانه
ولم تقتصر محاضرة الأستاذ أحمد يحيى على الشرح النظري بل حرص على تطبيق ما تناوله عمليًا بمشاركة الحضور في تجربة تفاعلية أتاحت لهم ممارسة فن الإلقاء والتعرف على أسراره عن قرب وكان هذا الجانب العملي إضافة مميزة للأمسية حيث تحولت المعلومات إلى تجربة حية تجمع بين التعلم والمتعة
وفي ختام هذه الأمسية خرجنا بتأكيد جديد على أن الثقافة الحقيقية لا تقاس بعدد الكلمات التي تقال بل بمدى ما تتركه من أثر في العقول والقلوب
كل التقدير للشاعرة الدكتورة صباح غريب والشاعر خالد نور والمحاضر الكبير الأستاذ أحمد يحيى ولكل القائمين على نادي أدب قصر ثقافة مصطفى كامل
تحية لكل من يؤمن بأن الكلمة رسالة وأن الإلقاء فن وأن الثقافة حياة لا تتوقف


التعليقات مغلقة.