
هل يولد الإنسان مجرمًا أم تصنعه الجينات والظروف؟
إيمان العادلى
من أكثر الأمور التي تثير الرعب والحيرة في النفس البشرية أن نسمع عن شخص يقتل إنسانًا آخر بدم بارد، أو يرتكب جريمة بشعة تصل إلى الذبح والتنكيل بالضحية، والأكثر إيلامًا أن يكون الضحية أبًا أو أمًّا أو أخًا أو زوجة أو أحد الأبناء.
وهنا يطرح الإنسان على نفسه سؤالًا صعبًا: كيف يمكن أن يصل شخص إلى هذه الدرجة من القسوة؟ هل وُلد بهذه الطبيعة؟ وهل يحمل في جيناته الوراثية شيئًا يجعله أكثر ميلًا إلى العنف؟ أم أن الحياة بما فيها من قسوة وحرمان واضطرابات نفسية يمكن أن تحوّل الإنسان إلى مجرم؟
الحقيقة أن الإجابة ليست بسيطة، لأن السلوك الإجرامي لا ينتج عادةً عن سبب واحد، بل قد يكون نتيجة تداخل عوامل وراثية ونفسية وتربوية واجتماعية، تختلف من شخص إلى آخر.
أولًا: هل يولد الإنسان مجرمًا؟
لا يوجد دليل علمي يثبت أن الإنسان يولد وهو مجرم بالفطرة، أو أن هناك جينًا محددًا يجعل صاحبه قاتلًا بالضرورة.
لكن الأبحاث تشير إلى أن بعض الصفات الوراثية قد تؤثر في جوانب من الشخصية، مثل سرعة الانفعال، والاندفاع، والقدرة على ضبط الغضب، والاستجابة للضغوط النفسية.
وهذا لا يعني أن الشخص الذي يرث هذه الصفات سيصبح مجرمًا، بل يعني أن لديه استعدادات قد تزيد من احتمالية بعض السلوكيات في ظروف معينة.
فالجينات ليست حكمًا نهائيًا على مصير الإنسان، ولا يمكن النظر إلى أي شخص باعتباره مجرمًا لمجرد أنه يحمل استعدادًا وراثيًا معينًا.
ثانيًا: هل يمكن أن يكون الإجرام صفة مكتسبة؟
نعم، فقد يتعلم الإنسان بعض أنماط السلوك العنيف من البيئة التي نشأ فيها.
فالطفل الذي يعيش وسط الضرب والإهانة والتهديد المستمر قد يتعلم أن القوة هي وسيلة حل المشكلات، وأن الاعتداء على الآخرين أمر طبيعي. وإذا لم يجد من يعلّمه التعاطف واحترام حياة الآخرين وضبط الغضب، فقد تترسخ لديه أنماط سلوكية مؤذية.
كذلك قد تؤثر التربية القائمة على القسوة الشديدة، أو الإهمال، أو غياب الحدود الواضحة، في نمو شخصية الطفل.
لكن من المهم أن نفهم أن ليس كل من تعرض للعنف يصبح عنيفًا، وليس كل من عاش طفولة قاسية يرتكب الجرائم. فكثير من الأشخاص الذين مروا بظروف صعبة أصبحوا أكثر رحمة بالآخرين، لأن الإنسان يتأثر بظروفه، لكنه ليس أسيرًا لها بالضرورة.
ثالثًا: هل الظروف الحياتية يمكن أن تدفع الإنسان إلى الجريمة؟
قد تسهم الظروف الحياتية الصعبة في زيادة التوتر والغضب والشعور بالظلم، مثل الفقر الشديد، والتفكك الأسري، والتعرض للإذلال، والصدمات النفسية، والعزلة الاجتماعية.
وقد يمر الإنسان أيضًا بأزمات عاطفية أو مالية أو أسرية تجعله يشعر بأنه فقد السيطرة على حياته.
لكن يجب التمييز بين الشعور بالغضب وبين ارتكاب جريمة قتل. فالملايين يمرون بأزمات قاسية، ومع ذلك لا يؤذون أحدًا.
ولهذا فإن الظروف الصعبة قد تكون عاملًا مؤثرًا، لكنها لا تبرر القتل ولا تكفي وحدها لتفسيره. فهناك عوامل أخرى تتعلق بشخصية الإنسان وطريقة تفكيره وقدرته على ضبط سلوكه، فضلًا عن طبيعة الموقف نفسه.
رابعًا: لماذا يقتل بعض الأشخاص أقرب الناس إليهم؟
قد يبدو قتل أحد أفراد الأسرة أمرًا مستحيل الفهم، لأننا نربط العلاقات الأسرية بالمحبة والأمان والرحمة. لكن القرب العائلي لا يمنع دائمًا وقوع العنف.
ففي بعض الجرائم قد تلعب السيطرة والتملك والغيرة الشديدة دورًا في تصاعد العنف. وقد تحدث جرائم أخرى في سياق نزاعات أسرية أو مالية أو انتقامية، أو تحت تأثير اضطرابات نفسية أو تعاطي بعض المواد المؤثرة في العقل.
وفي حالات معينة، قد يتعامل الجاني مع الضحية باعتبارها شخصًا يريد السيطرة عليه أو التخلص منه، بدلًا من رؤيتها إنسانًا له مشاعر وحقوق وحياة مستقلة.
أما الجرائم التي تتسم بالتعذيب أو التمثيل بالجثث، فلا يمكن تفسيرها جميعًا بدافع واحد. فقد تختلف الدوافع والظروف والسمات النفسية من جريمة إلى أخرى، ولا يجوز تشخيص مرتكبيها من خلال بشاعة الفعل وحدها.
ومن المهم أيضًا ألا نخلط بين المرض النفسي والإجرام؛ فالغالبية العظمى من الأشخاص الذين يعانون من اضطرابات نفسية ليسوا قتلة ولا يشكلون خطرًا على الآخرين.
خامسًا: ما دور الضمير والتعاطف في منع الجريمة؟
يستطيع معظم الناس، حتى عندما يغضبون بشدة، أن يدركوا أن إيذاء الآخرين أمر غير مقبول. ويرتبط ذلك بقدرتهم على التعاطف، وفهم مشاعر الغير، وتقدير عواقب أفعالهم، والالتزام بالقواعد الأخلاقية والاجتماعية.
أما لدى بعض مرتكبي الجرائم العنيفة، فقد تكون هناك صعوبات في ضبط الاندفاع أو التعاطف أو تقدير العواقب، لكن هذه الصعوبات تختلف بين الأفراد ولا تعني بالضرورة غياب الضمير تمامًا.
كما أن بعض الجرائم تكون مخططة ومتعمدة، وليست مجرد انفجار لحظي للغضب. لذلك لا يمكن تفسير جميع جرائم القتل باعتبارها فقدانًا مؤقتًا للسيطرة على النفس.
إن فهم هذه الفروق يساعدنا على دراسة الجريمة بموضوعية، بدلًا من الاكتفاء بوصف مرتكبها بأنه إنسان شرير لا يمكن فهم سلوكه.
سادسًا: هل يمكن الوقاية من تحول الإنسان إلى مجرم عنيف؟
الوقاية ممكنة في كثير من الحالات، وإن لم تكن مضمونة في جميعها.
فالتربية التي تقوم على الاحترام والحوار، وتعليم الأطفال ضبط الغضب والتعاطف، وتوفير بيئة أسرية آمنة، والوصول إلى خدمات الصحة النفسية عند الحاجة، كلها أمور قد تساعد على الحد من تطور السلوك العنيف.
كذلك من المهم التعامل بجدية مع التهديدات المتكررة بالقتل، والاعتداء الجسدي، والمطاردة، ومحاولات السيطرة العنيفة على أفراد الأسرة. فهذه السلوكيات لا ينبغي اعتبارها مجرد خلافات عائلية عادية، بل قد تستدعي تدخلًا لحماية الأشخاص المعرضين للخطر.
ولا تعني الوقاية أن نبحث عن الأعذار للمجرم، بل أن نحاول فهم الأسباب التي قد تؤدي إلى الجريمة حتى نمنع تكرارها ونحمي المجتمع.
إن الإنسان الذي يرتكب جريمة قتل بشعة لا يمكن تفسير سلوكه من خلال الجينات وحدها، ولا من خلال التربية وحدها، ولا من خلال الظروف الحياتية وحدها.
فالسلوك الإجرامي العنيف قد ينشأ عن تداخل الاستعدادات الفردية مع الخبرات الحياتية والبيئة المحيطة وطريقة التفكير واتخاذ القرارات. وتختلف أهمية كل عامل من حالة إلى أخرى.
ولذلك فإن السؤال الأدق ليس: هل يولد الإنسان مجرمًا أم تصنعه الحياة؟ بل: كيف تتفاعل العوامل الوراثية والنفسية والاجتماعية لتجعل بعض الأشخاص أكثر عرضة للعنف من غيرهم؟
إن فهم هذه العوامل لا يعني تبرير الجريمة أو إعفاء مرتكبها من المسؤولية، بل يعني استخدام المعرفة لحماية الأبرياء، ومساعدة من يحتاجون إلى العلاج، ومنع العنف قبل أن يتحول إلى مأساة.
وفي النهاية، تبقى حياة الإنسان وكرامته أمرين لا يجوز الاعتداء عليهما، مهما كانت الخلافات أو الظروف. ففهم أسباب الشر ضرورة لمواجهته، لكنه لا يحوّل الجريمة إلى أمر مقبول، ولا يلغي حق الضحية في العدالة.
وأخيراً الاستعداد الوراثي ليس قدرًا محتومًا، والظروف القاسية ليست عذرًا للقتل، والمرض النفسي لا يعني الإجرام.


التعليقات مغلقة.