
القوامة في الإسلام: مسؤولية وليست تسلّطًا
إيمان العادلى
من أكثر المفاهيم التي أُسيء فهمها في العلاقة بين الرجل والمرأة مفهوم القوامة. فقد يختزلها البعض في أن الرجل صاحب سلطة مطلقة على زوجته، وأن له الحق في التحكم في حياتها وأموالها وآرائها وقراراتها، حتى يصل الأمر أحيانًا إلى مصادرة شخصيتها وطمس هويتها.
لكن هل هذا هو معنى القوامة في الإسلام؟
وهل جعل الله الرجل قوّامًا على المرأة ليكون متسلطًا عليها، أم ليكون مسؤولًا عنها وعن رعايتها وحمايتها والإنفاق عليها؟
إن تدبر النصوص الشرعية يبين أن القوامة تكليف ومسؤولية قبل أن تكون حقًا، وأنها لا تعني أبدًا أن تتحول الزوجة إلى إنسانة بلا إرادة أو مال أو رأي.
أولًا: ما معنى القوامة؟
قال الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾
[النساء: 34]
والآية نفسها تذكر سببين للقوامة: ما جعل الله من خصائص ومسؤوليات، وما أوجبه على الرجل من الإنفاق. وقد بيّن المفسرون أن من معاني القوامة القيام على شؤون الأسرة والرعاية والنفقة والتدبير، وليست مجرد امتلاك سلطة على المرأة.
واللافت أن القرآن لم يقل إن الرجل “مالك” للمرأة، ولم يقل إن المرأة فاقدة للأهلية أو الإرادة، وإنما جعله قوّامًا؛ أي قائمًا بمسؤولية الأسرة.
ومن هنا يمكن القول إن القوامة ليست امتيازًا مجانيًا للرجل، وإنما مسؤولية تترتب عليها واجبات.
فمن أراد أن يتحدث عن قوامة الرجل، فعليه أن يتحدث أولًا عن النفقة والرعاية والحماية وحسن المعاشرة وتحمل المسؤولية.
ثانيًا: القوامة لا تعني أن الزوج يملك زوجته
الزواج في الإسلام ليس علاقة مالك بمملوك، وإنما علاقة تقوم على السكن والمودة والرحمة.
يقول الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾
[الروم: 21]
ويقول سبحانه:
﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[النساء: 19]
فالمعيار القرآني في الحياة الزوجية هو المعروف، وليس الإهانة أو التخويف أو كسر الشخصية.
والنبي ﷺ جعل حسن معاملة الأسرة معيارًا للخيرية، فقال:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي»
رواه الترمذي، وحُكم عليه بالصحة.
كما قال ﷺ:
«استوصوا بالنساء خيرًا»
رواه البخاري ومسلم.
فإذا تحولت القوامة إلى إهانة مستمرة، أو تخويف، أو تحكم مرضي، أو اعتداء، أو إذلال، فهذه ليست صورة الرجل الذي يقتدي برسول الله ﷺ في معاملته لأهله.
ثالثًا: هل القوامة تعني إلغاء رأي المرأة؟
لا ينبغي أن تتحول القوامة إلى ذريعة لإلغاء عقل المرأة أو إسكاتها.
فالمرأة في الإسلام شخص كامل الأهلية في الأصل، لها شخصيتها وذمتها وملكيتها وحقها في التعبير، وليست نسخة تابعة من شخصية زوجها.
والقرآن نفسه قرر للمرأة حقًا فيما تكسب، فقال:
﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ﴾
[النساء: 32]
وهذه الآية تؤكد أن للمرأة نصيبًا مما تكسب، وقد فسرت الآية أيضًا في سياق تقرير استقلال المرأة في الكسب والأجر.
كما أن الإسلام لم يجعل الزواج سببًا لسقوط شخصية المرأة أو أهليتها المالية.
بل إن المرأة تستطيع أن تملك وتبيع وتشتري وتهب وتتصدق، وفق الأحكام الشرعية المنظمة لذلك، ولها ذمة مالية مستقلة عن زوجها.
رابعًا: مال المرأة ليس ملكًا لزوجها
من الأخطاء الشائعة الاعتقاد بأن الرجل بمجرد أن يصبح زوجًا يصبح له حق التصرف في أموال زوجته.
وهذا غير صحيح.
فالزوجة تملك مهرها ومالها الذي اكتسبته وإرثها وهباتها وأملاكها، ولا يصبح شيء من ذلك ملكًا للزوج لمجرد قيام العلاقة الزوجية.
قال الله تعالى:
﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا﴾
[النساء: 4]
والآية شديدة الوضوح: إن أرادت المرأة أن تعطي زوجها شيئًا من مالها، فلابد أن يكون ذلك عن طيب نفس منها.
وهذا يؤكد أن مال الزوجة ليس مباحًا للزوج لمجرد أنه زوجها.
وجاء في الحديث:
«لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه»
وقد صححه عدد من أهل الحديث، ومنهم الألباني.
إذن، القوامة لا تعني أن للرجل الحق في الاستيلاء على راتب زوجته، أو إجبارها على تسليمه، أو التصرف في أموالها بغير رضاها.
أما النفقة على الأسرة فهي واجب شرعي على الزوج بحسب استطاعته، وليست ثمنًا لامتلاك مال الزوجة.
خامسًا: المرأة ليست مطالبة بأن تتخلى عن هويتها
الزواج لا يعني أن تختفي المرأة داخل شخصية زوجها.
فالمرأة قد تكون متعلمة، أو عاملة، أو صاحبة مشروع، أو موهوبة، أو لها اهتماماتها وشخصيتها وآراؤها.
والإسلام لم يجعل الزواج إلغاءً لهذه الشخصية.
بل إن السيرة النبوية تقدم لنا نماذج لنساء كان لهن حضور وشخصية ورأي، ومن أبرزهن السيدة خديجة رضي الله عنها، التي كانت صاحبة مال وتجارة، ولم يكن كونها زوجة للنبي ﷺ سببًا في إلغاء شخصيتها أو استقلالها المالي.
كما أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت من كبار علماء الصحابة، وكان الصحابة يسألونها ويأخذون عنها العلم.
فلو كانت المرأة في التصور الإسلامي مجرد تابع بلا عقل أو رأي، لما كان لها هذا الحضور العلمي والتاريخي.
سادسًا: هل للرجل أن يمنع زوجته من العمل أو إدارة مالها؟
هذه المسألة لها تفاصيل فقهية كثيرة تختلف باختلاف طبيعة عقد الزواج والظروف والحقوق والواجبات، ولذلك لا يصح اختزالها في قاعدة واحدة.
لكن هناك فرق جوهري بين تنظيم الحياة الزوجية بالمعروف والتوافق وبين السيطرة على المرأة ومصادرة ذمتها المالية.
فالزوج ليس مديرًا لأموال زوجته لمجرد أنه زوجها.
وإذا كانت المرأة تعمل ولها مال خاص بها، فلا يعني الزواج تلقائيًا انتقال ملكية هذا المال إلى الزوج.
بل القرآن أثبت للمرأة نصيبها مما تكسبه، كما سبق.
والحياة الزوجية السليمة لا تقوم على أن يسأل أحد الطرفين:
“من يسيطر على الآخر؟”
بل على سؤال أهم:
كيف يتعاون الاثنان في بناء بيت يقوم على المودة والرحمة والعدل؟
سابعًا: القوامة ليست رخصة لكبت الآراء
هناك فرق بين أن يكون للرجل مسؤولية في إدارة الأسرة وبين أن يكون له الحق في إلغاء عقل زوجته.
فقد يختلف الزوجان في الرأي، وهذا أمر طبيعي.
والقوامة لا تعني أن الزوجة ممنوعة من النقاش، أو أن عليها أن توافق زوجها في كل فكرة، أو أن رأيها لا قيمة له.
بل من أعظم صور النضج الزوجي أن يستطيع الزوجان الاختلاف دون إهانة.
والقرآن عندما تحدث عن الفطام، قال:
﴿فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا﴾
[البقرة: 233]
والآية تقدم مبدأ مهمًا في الأسرة: التراضي والتشاور.
فحتى في مسألة تتعلق برعاية الطفل وفطامه، تحدث القرآن عن التشاور بين الأب والأم.
فكيف يمكن أن يكون الزواج قائمًا على المودة ثم يتحول إلى نظام يمنع أحد طرفيه من التفكير أو التعبير؟
ثامنًا: حتى اختيار الزواج لم يُلغِ إرادة المرأة
من الأدلة المهمة على استقلال إرادة المرأة أن النبي ﷺ قال:
«لا تُنكح الأيّم حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكر حتى تُستأذن».
فلما سُئل عن إذن البكر قال:
«أن تسكت».
رواه البخاري ومسلم بمعانٍ متقاربة.
فإذا كان الإسلام قد جعل رضا المرأة معتبرًا في أصل اختيار الزوج، فليس من المنطقي تصوير المرأة بعد الزواج على أنها فقدت كل إرادة وكل شخصية.
تاسعًا: القوامة لا تعني أن الرجل فوق المساءلة
من الأخطاء الخطيرة أن يُفهم قول الله تعالى:
﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾
وكأنه يقول:
“الرجل دائمًا على حق.”
هذا غير صحيح.
فالرجل أيضًا محاسب أمام الله عن طريقة معاملته لأسرته.
والقوامة تزيد المسؤولية ولا ترفع الحساب.
ولهذا قال النبي ﷺ:
«كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته»
فالرجل مسؤول عن أسرته، وليس مالكًا لها.
والراعي الحقيقي لا يستخدم مسؤوليته لإذلال من يرعاهم، بل لحمايتهم والقيام على مصالحهم.
عاشرًا: ماذا عن الآية التي تتحدث عن النشوز؟
قد يستدل البعض بقول الله تعالى:
﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ﴾
[النساء: 34]
وهذه الآية من أكثر الآيات التي تحتاج إلى قراءة علمية مسؤولة، بعيدًا عن استخدامها كذريعة للعنف الأسري.
فالآية تتحدث عن حالة محددة هي النشوز، ولا تمنح الرجل تصريحًا مفتوحًا بضرب زوجته أو إيذائها أو إذلالها.
والآية نفسها تختم بقول الله:
﴿فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلًا﴾
أي لا يجوز تحويل الخلاف إلى ذريعة للعدوان والظلم.
كما أن السنة النبوية تؤكد الوصية بالنساء وحسن معاشرتهن، ومن الخطأ اقتطاع نص من سياقه الشرعي والأخلاقي لتحويل الزواج إلى علاقة عنف.
ولهذا ينبغي أن يكون تناول هذه الآية علميًا وفقهيًا، وأن تُردّ إلى مجموع النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة، لا أن تستخدم لتبرير الاعتداء على الزوجة.
الحادي عشر: القوامة تكليف قبل أن تكون تشريفًا
إذا أردنا أن نفهم القوامة بصورة صحيحة، فعلينا أن نضع معها قائمة المسؤوليات التي أوجبها الإسلام على الرجل:
النفقة على الزوجة والأولاد بحسب الاستطاعة.
توفير المسكن والرعاية.
حماية الأسرة والقيام على مصالحها.
حسن معاشرة الزوجة.
احترام كرامتها.
عدم ظلمها أو إهانتها.
عدم الاعتداء على مالها.
عدم استخدام القوامة كوسيلة للابتزاز والسيطرة.
تحمل مسؤولية القرارات الأسرية.
التشاور معها فيما يخص الأسرة والأبناء.
ومن هنا يصبح السؤال:
إذا كان الرجل يريد أن يأخذ حقوق القوامة، فهل هو مستعد لتحمل واجباتها؟
فلا يصح أن يأخذ الرجل من مفهوم القوامة كلمة “الطاعة”، ثم يترك النفقة والرحمة والمسؤولية وحسن العشرة.
القوامة لا تلغي التكامل
الإسلام لم يجعل العلاقة بين الرجل والمرأة معركة لإثبات من الأقوى.
قال تعالى:
﴿وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾
[البقرة: 228]
وقال سبحانه:
﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾
[البقرة: 187]
وهذه صورة بالغة الجمال للعلاقة الزوجية.
فاللباس يستر ويحمي ويمنح الدفء والسكينة.
ولم يقل القرآن إن أحد الزوجين لباس للآخر بمعنى أنه يملكه، بل جعل العلاقة متبادلة: هن لباس لكم وأنتم لباس لهن.
وهكذا تصبح الأسرة شراكة في الحياة، مع اختلاف المسؤوليات والواجبات.
الخلاصة
القوامة في الإسلام ليست “رخصة للسيطرة”، وليست تصريحًا للرجل بأن يصادر أموال زوجته أو يمنعها من التفكير أو يلغي رأيها أو يطمس شخصيتها.
القوامة مسؤولية، ومن أهم صورها القيام على الأسرة والنفقة والرعاية وتحمل المسؤولية.
أما المرأة، فلها شخصيتها وكرامتها وحقوقها، ولها ذمة مالية مستقلة، ومالها ملك لها، ولا يجوز للزوج أن يأخذ منه شيئًا بغير رضاها.
والزوجة ليست ملكًا لزوجها، كما أن الزوج ليس عبدًا لزوجته؛ وإنما كلاهما عبد لله، وكل منهما مسؤول أمام الله عن أداء حقوق الآخر.
وإذا كان الرجل قوّامًا، فليتذكر أن القوامة تعني أن يكون أكثر مسؤولية لا أكثر تسلطًا، وأكثر رحمة لا أكثر قسوة، وأكثر احتواءً لا أكثر تحكمًا.
وقد اختصر النبي ﷺ ميزان الرجولة الحقيقية في كلمته:
«خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي».
فالرجل الذي يستخدم الدين لإذلال زوجته، أو الاستيلاء على مالها، أو تحطيم شخصيتها، أو إسكات صوتها، يحتاج قبل أن يطالبها بحقوقه أن يسأل نفسه:
هل أنا أؤدي حق الله فيمن جعلني مسؤولًا عنها؟
لأن القوامة أمام الناس قد تبدو سلطة، لكنها أمام الله أمانة وحساب.


التعليقات مغلقة.