العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

🖍️ ما وراء الستار🖍️

0

فاطمة الجلاوي

قصة قصيرة:

 

 

حين أعلن الطبيب وفاتي، كنت أقف خلفه مباشرة. نظرت إلى جسدي الممدد فوق السرير، ثم إلى الوجوه التي تحاول ارتداء أقنعة الحزن. عندها فقط أدركت أن الموت لا يكشف حقيقة الميت، بل حقيقة الأحياء.

كانت رحلتي فوق سحاب العالم الآخر تجبرني على الخروج من الإطار، ومراقبة أحداثٍ لم أتوقعها. هناك، بدا اللامعقول وكأنه يحث المعقول على مغادرة ذاته، ليعبر سطح كينونة تستفز رغبتي في تعرية رواق النفاق الاجتماعي المصبوغ بلون فالنتين.

كنت أرى من خلف ستار لا يشبه ستائر الدنيا. هناك، لا تخطئ العين ملامح القلوب، ولا تنجح الوجوه في إخفاء ما يختبئ خلف ابتساماتها.

كنت أبحث بينهم عن وجه يشبه الأمس، وعن يد تمتد نحوي كما كانت تمتد في طفولتي إذا تعثرت. تمنيت، ولو لمرة واحدة، أن يكون الحب أقوى من الموت…

لكن بعض الأمنيات تبقى معلقة بين السماء والأرض.

رأيت نفسي ممددة فوق سرير الموت، أطير فوق جثماني خفيفة كفراشة تحلق في الأثير، وتكتشف خبايا الكون الغامض.

في الجهة الأخرى، كان الأحبة يضحكون، وقد غلبتهم مشاعر لا تخضع لأي مقياس.

وسط الحجرة، جلست أمي المسكينة.

تأملت وجهها طويلًا. لم أعرف هل كان الصقيع يسكن قلبها، أم أن سنوات التعب هي التي أطفأت آخر شمعة فيه. تمنيت أن أقرأ في عينيها أمًّا تفتقد ابنتها، لا امرأة أنهكتها الأيام، لكن ملامحها بقيت عصية على التأويل.

كان بعض إخوتي يتهامسون باستهزاء، وكأن غيابي فتح أبوابًا ظلت مغلقة طويلًا.

أعلن الطبيب الشرعي الوفاة بسكتة قلبية. لم يكن يعلم شيئًا عن تلك النظرة الثاقبة التي كانت تراقب عالمًا آخر؛ عالمًا تمحصه الفقيدة بعينين مفتوحتين، وبسمة استنكارية تجمدت على ثغرها البارد.

في سكون الليل، تجمع أفراد الأسرة في سمر خفي، يتحدثون عني وعن حياتي العابرة، وكأن غيابي أصبح مناسبة لكشف ما أخفوه من مشاعر مؤجلة.

في أعماق كل واحد منهم كانت آلة حاسبة تعمل بصمت، وألف سؤال يدور حول التركة: من سيحصل على الحصة الأكبر؟

كان بعضهم يستعجل طي سجل الأيام، لتوثيق الوفاة وإتمام إجراءات الميراث. ولولا خوفهم من كلام الناس، لأنهوا كل شيء بعد خروج الجنازة مباشرة.

لكن هناك طقوسًا اجتماعية لا بد منها، تجبرهم على التريث.

فوق الأثير، واصلت التحليق، أراقب المشهد من علٍ، وأبحث عن الحقيقة المختبئة خلف الستار…

كنت أعلم أن بعض النفوس لا تفوّت فرصة حتى في حضرة الموت، فالأفكار التي تُخفى طويلًا تجد طريقها أحيانًا إلى الأماكن التي يفترض أن يسكنها الحزن والرحمة.

كانت لالا غندالة تولول فوق خشبة المسرح الجنائزي، مؤدية دور الثكلى المكلومة أمام الجميع.

لم يكن ألم الفقد حاضرًا في المشهد؛ فقد احتلت مشاعر أخرى مساحة الإحساس، تظهر بابتسامة خفية لم تستطع تقاسيم وجهها إخفاءها، وفي ظل أسئلة قديمة ما زالت مختبئة في أعماق الروح.

كانت صورة درامية قاسية.

التفت بناتها الأربع حولها لتهدئتها وإبعادها عن الأنظار، وهن يستعملن عبارات أجنبية بنبرة تحمل شيئًا من الاستعلاء، كما اعتدن في المواقف التي يردن فيها إظهار الاختلاف والتميز عن الآخر.

انتهت المسرحية بسدل الستار على مشهد من الضحك الهستيري الذي عم الفضاء، بينما بقيت أنا في الأعلى، أوثق التفاصيل دون رغبة في تفسيرها أو تبريرها.

لم أكن أريد أن أجبر روحي المسافرة على تأويل كل شيء. كنت فقط أحلق، وأراقب العدّ التنازلي لبعض الإخوة البررة.

كان بو حافة يقوم بدور الإمام الواعظ المرشد؛ فهو أكثرهم استعجالًا لغسل الجثمان وإيوائه مثواه الأخير. كان يخشى، في أعماقه، شيئًا مجهولًا يثير قلقه؛ فقد كنت عنيدة في كل شيء.

لكن الليل أجبرهم على انتظار الصباح لإتمام مراسم الدفن.

كانت زوجته الجميلة تربت على كتفه، مؤكدةً له أن نصيبه من التركة سيكون حصة الأسد، بطريقة أو بأخرى.

في عينيه قرأت فرحةً غلبت كل المشاعر المخفية.

كانت تعرف كيف تزرع كلماتها بهدوء، فلا تسقط الثمار إلا بعد أن تنضج في الخفاء.

فقد تهدم جسر المحبة منذ زمن بعيد، بفعل جراح قديمة وتهديدات قاسية وجَّهها إليَّ حين هجرته زوجته واختفت.

تبادلا النظرات، وبدأت عملية سحب بعض الأمتعة منذ اللحظة الأولى، وكأن الوفاة لم تكن سوى إشارة لانطلاق الحسابات.

كان ساعي البريد، ابن أخيها المعطي، يقوم بالمهمة على أكمل وجه، بينما بقية أفراد الأسرة منشغلون بمسرح النعي؛ فلا أحد يراقب كواليس هذا العرض سوى عيني المعلقة في الأعلى.

أما الدكتورة تيدار، فاكتفت باتصال هاتفي للتعزية. لم تكلف نفسها عناء السفر لحضور جنازتي.

كان رابط المودة بيننا من خيوط العنكبوت، لا يكاد يقاوم الريح؛ فقد جمدت المسافات كل الأواصر، وفي ذاكرتها اختارت دفن سنوات العوز والفقر.

وقف بو عصابة، التوأم الأول، في الزاوية يراقب في هدوء. كان إنسانًا طيب القلب، عمليًا وجادًا بطبعه. كان واجبه الوطني يأخذه بعيدًا عن الجميع، وتربطني به علاقة خاصة، أقرب إلى حب الشعار الوطني؛ علاقة تقوم على الاحترام أكثر من القرب.

أما هبة، التوأم الثاني، فبقيت لغزًا معلقًا في الأثير.

كنت أراقب وجهها بين الألم والحب والفقد. لم أجد سوى الصمود، ورغبة غامضة تدفعني إلى التسلل إلى أعماقها لأطرح السؤال الأصعب:

هل كانت تحبني حقًا؟

أم كان حبها مجرد أداء لواجب لا بد منه؟

أحتاج إلى حياة أخرى لأفكك شفرات هذا القلب المعقد.

أما ابناها، فكانت رابطة حب صامتة تجمعني بهما، أبصرتها في عيونهما الدامعة.

تنفلت دمعة تائهة من بين جفوني حين نظرت إلى جمانة، تلك التي كانت تناديني في طفولتها: «ماما».

لكنها في الكبر أصبحت سمكة وسط ماء عكر؛ تغيّر صفو مشاعرها، وأصبحت أكثر برودة، ربما بفعل ما تراكم حولها من تأثيرات وتربية.

كانت صورةً قريبةً من أمي الحبيبة؛ تحمل جراحًا داخلية لم تجد طريقها إلى الشفاء.

ثم تذكرت أنني أنا أيضًا لم أكن بعيدة عن التعقيد، بسبب المسؤولية التي أُجبرت على تحملها مبكرًا.

سأكتفي بالقول إنني كنت صورة موثقة لأبي؛ ورثت منه جيناته الفيزيولوجية، وحتى طبعه الحاد. وربما كان ذلك ذنبي الوحيد في نظر الآخرين.

كثيرًا ما سألت نفسي: أي ذنب اقترفت حتى أصبحت الغريبة بينهم؟ ولم أجد جوابًا، سوى أن بعض الأرواح تدفع ثمن أشياء لم ترتكبها، وكأنها ورثت وجعًا لا ذنب لها فيه.

أما بقية الأسرة الكريمة، من الأطفال الذين كبروا، والمراهقين، والصغار، فلكل واحد منهم حكاية لا تُروى بسهولة.

كانت أصغرهم صابرين، طفلة في الثالثة من عمرها، صورة صغيرة لعالمها المحيط.

اختصرت المشهد كله بجملة واحدة قالتها ببراءة موجعة:

«Tati, je ne t’aime pas.»

مع كل الحب الذي كنت أحمله لها بين أضلعي.

كانت أحاديث المساء بين أمي وجمانة قد وصلت إليها، فتكلمت بلسان الحقيقة التي لا تعرف المجاملة.

وسط ذلك المشهد القاسي، التقت عيناي بعيني وردة الصغيرة. كانت تنظر إليّ بصمت، كأنها وحدها لم يصلها بعد أثر الغياب. لم تكن تحمل حكمًا ولا ضغينة؛ كانت مجرد طفلة لم تتعلم بعد لغة الأقنعة.

شعرت بالغثيان، وكأن كل ما اختزنته روحي من ألم كان يبحث عن طريق للخروج، وأنا ما زلت أحلق عاليًا.

كانت سهاد، لا أراها إلا في الأعياد. كان عنوان علاقتنا الغربة.

 

أما نوفل، أخوها الأصغر، فكان بهلوانيًا صغيرًا، يحمل في تفاصيله بصمة الجد.

 

أما أخوها الأكبر رامي، فقد شرب علقم الفقد والتشتت منذ الطفولة.

 

بعد أن عاد الجيران إلى منازلهم، حملوا جثتي ووضعوها في غرفة مظلمة، ثم أغلقوا الباب.

 

اجتمعت أسرتي الغالية في الغرفة المجاورة، وتعالت ضحكاتهم، ونسي الجميع رهبة الوفاة.

 

كان الليل ستارًا كثيفًا يخفي العيوب.

 

بعد منتصف الليل، وبعدما اكتشفت أسرار الفقد المزعوم، قررت الرجوع من سفر الغياب.

 

لم أعد لأنني كنت أرفض الموت، بل لأنني لم أقل كلمتي الأخيرة بعد.

 

لم أعرف كيف عدت، ولا من أي طريق عبرت. لم يكن بين العالمين باب أراه، ولا طريق أسلكه؛ كان الأمر أشبه بيد خفية تعيدني من حافة النسيان.

 

لكنني وجدت نفسي أعود إلى جسدي البارد، لأغمره بفيض من الحب والحنان الذي حُرم منه طويلًا.

 

بدأت أوصالي تستعيد دفأها بعد رحلة قاسية بين عالمين، ثم انتابتني تلك الكحة اللعينة التي منحت رئتي فرصة جديدة لاستقبال الأكسجين.

 

تحرك قلبي من جديد… لا أدري إن كانت معجزةً أم حكمةً خفية منحتني فرصة أخرى لأرى ما لم أكن أراه وأنا حية.

 

تذكرت حكاية جدتي التي أخبرتني عن عودتها من الموت بعد ثلاثة أيام، وكأن الحياة أحيانًا تفتح أبوابها لمن لم ينتهِ دوره بعد.

 

بقي السؤال الأصعب:

 

كيف سأقنع الأحياء بأنني أرفض الرحيل؟

 

ارتسمت على وجهي ابتسامة غريبة من قسوة المفارقة، وأنا وحدي أتخيل رعبهم حين يرونني أمامهم.

 

تثاقلت خطواتي وأنا أنزل من سريري، أتأكد من أنني ما زلت حية أرزق.

 

كان جسدي يستعيد ذاكرته ببطء، وكأن كل خلية فيه تعود من رحلة بعيدة بين الغياب والحضور.

 

لم أكن أبحث عن الحياة فقط، بل عن معنى جديد لها بعد أن رأيت ما كان مخفيًا خلف الستار.

 

وقفت لحظةً أمام الباب.

 

جزء مني أراد أن يطرق، وجزء آخر كان يخشى أن يجد خلفه الحقيقة التي لم يعد قادرًا على احتمالها.

 

دفعت الباب بهدوء، وعبرت البهو نحو أحبتي.

 

كان المشهد صادمًا.

 

ما إن ظهرت أمامهم حتى شهق الجميع، وارتفعت الصرخات، وهربوا إلى الخارج كأنهم رأوا شبحًا عاد من العالم الآخر.

 

تجمدت الوجوه بين الرعب والذهول. لم يعرفوا هل يقتربون مني أم يفرون بعيدًا.

 

حاولت تهدئة روعهم، لكن الخوف كان أقوى من كل الكلمات.

 

لم يكن أحد مستعدًا لاستقبالي…

 

وقفت أراقبهم، وانتابني ضحك هستيري من غرابة الموقف.

 

أغلقت باب الدار بهدوء، وعدت إلى غرفتي.

 

كان الستار هذه المرة بيني وبينهم، لا بين الحياة والموت.

تمددت فوق سريري، وابتسمت.

فمشاعري لم ت

مت، لكنها تحررت، ولم أعد أخشى الرحيل.

ولأول مرة…

لم أخف من الموت…

بل من الأحياء.

 

 

06 فبراير 2024

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار