العاصمة
جريدة تصدر عن مؤسسة بوابة العاصمة لتنميه المجتمع

جاسوس غير عادى

0

 

الجاسوس دا لما قبضت عليه المخابرات المصرية.. قال لهم أغرب جملة ممكن يقولها جاسوس في التاريخ.

 

خليني احكي لك قصته.. لأنه مش جاسوس عادي.

 

مكانش بيقعد في أماكن عامة يتنصت على الناس.. ولا هو جاسوس عسكري.. او علمي او اقتصادي.

 

الجاسوس دا اخترق أعلى مؤسسة سيادية.. في مصر كلها.

 

مؤسسة الرئاسة.

 

وكان مصدره في المعلومات اللي بيرسل لها للعدو، هو الرئيس.

 

رئيس الجمهورية شخصيا.

 

اسمه “علي خليل العطفي”.. وكان خبير العلاج الطبيعي والمدلك الخاص، للرئيس الراحل “محمد أنور السادات” رحمه الله.

 

وبدايات “العطفي” كانت عادية للغاية.. اتولد في حي السيدة زينب سنة ١٩٢٢، وحصل على الشهادة الإعدادية.. وترك التعليم واشتغل صبي في محل بقالة، ومنه إلى صبي في صيدلية.

 

واثناء شغله في الصيدلية.. استعان به أحد الزبائن من كبار السن لتدليك ركبته.. ونفحه بقشيش كبير.

 

وقرر “العطفي” انه يحترف مهنة المدلك.

 

على الفور انتقل يشتغل صبي لمدلك أجنبي في مركزه الخاص.. ومع ثورة يوليو.. رحل أجانب كتير عن مصر، خاصة اليهود.. ولقى نفسه فجأة بيملك المركز بما فيه.. مجانا.

 

وبدأ “العطفي” يشتغل.. وراج شغله جدا.. وكترت زباينه.

 

وانتفخت محفظته بالنقود، بعدما كان بيلاقي بالكاد قوت يومه.. وبعدين فتحت الدولة الباب بمعاهد التربية الرياضية، لدراسة العلاج الطبيعي.. فانضم لأحداها على الفور.

 

وبقى “العطفي” بيلقب نفسه بلقب “دكتور”.. و”خبير علاج طبيعي”.. وبعتت الدولة مجموعة من الطلبة دول لدراسة العلاج الطبيعي بالخارج.

 

وكان “العطفي” واحد منهم.. وخرج في بعثة للولايات المتحدة.

 

وهناك.. قضى وقت المنحة في الهلس والخمر والنساء.. ومانجحش.

 

ورجع “العطفي” بلا شهادة عليا زي ما راح.. لكنه فضل يقول للناس انه حصل على الدكتوراة في العلاج الطبيعي.. ودا خلا زباينه تبقى من طبقة خاصة.

 

الفنانين ورجال المال والسياسة.

 

وبيكون “العطفي” شبكة علاقات كبيرة وقوية للغاية.. لدرجة انه كان صديق شخصي للسيد “كمال حسن” رئيس المخابرات المصرية الأسبق.. ورجل الاعمال “عثمان أحمد عثمان” صهر الرئيس “السادات” نفسه، ونجم الأهلي ومدرب المنتخب “عبده صالح الوحش”.. وغيرهم.

 

وبيشتغل مركز “العطفي” أكثر.. وبيصبح المعالج الطبيعي للفريق الاول للنادي الاهلي المصري.. وبيشغل خبراء حقيقيين في مركزه الطبي.. لدرجة انه بيبطل يروح على نحو منتظم.. إلا لجني أرباحه.

 

وفي مرة بيسافر “العطفي” لهولندا للاستجمام.. وهناك.. بيعمل أغرب حاجة ممكن تتخيلها من شخص ميسور شهير تعامله الحياة جيدا.

 

عمل حاجة مالهاش أي مبرر.

 

بيتوجه للسفارة الإسرائيلية.. ويعرض عليهم خدماته كجاسوس.

 

وبيرحبوا به في حرارة وحذر.. ويقولوا له انهم حيتصلوا به.

 

وبالفعل بيتواصل معاه رجال الموساد في أمستردام.. وبيشغلوه.. وبيتابعه ضابط الحالة الإسرائيلي “إيلي بيرجمان”.

 

وبيطلبوا منه بعض المعلومات البسيطة.. حول الرأي العام.. بيجيبها بالفعل بدقة وإخلاص.. فبيستدعوه لأمستردام.. ويبدأوا في تدريبه.

 

كان الهدف ان “العطفي” يكون شبكة جاسوسية.. يخترق بيها الوسط الطبي والأكاديمي المصري.. ودربوه على دا فعلا وعلى الإرسال والاستقبال اللاسلكي.. وتصوير المستندات بكاميرا دقيقة صغيرة.. والحبر السري.

 

وفي يوم بيطلب “العطفي” من “إيلي” طلب خاص.

 

بيطلب منه في تردد وخجل.. أنهم يشوفوا له اي جامعة تمنحه شهادة عليا بلا دراسة.. لانه فعليا لحد دلوقتي.. معاه بس الإعدادية.

 

وطلبه دا بيطرق جرس في ذهن “إيلي”.

 

وبتبزغ في عقله خطة جديدة.

 

وعلى الفور بيسفروه للولايات المتحدة. وبيرجع من هناك حامل لشهادة دكتوراة في العلاج الطبيعي… بتاريخ سفريته الأولى.. بعد أيام…

 

كمان بيخلوه يختار عروسة هولندية.. عشان يغطي بها سفرياته من وإلى أمستردام طوال الوقت. وبيجوزوهاله.. ويتكفلوا بكل المصاريف.

 

وهنا بيفصح “إيلي”عن فكرته.

 

“السادات” دايما بيحب يكون في طاقمه الطبي مدلك خاص.

 

ليه ميبقاش المدلك دا هو رجلهم؟

 

“العطفي”؟؟

 

وبيرجع “العطفي” لمصر.. اللي كانت بتفتتح اول معهد مستقل للعلاج الطبيعي…

 

وبعلاقاته.. بيبقى “العطفي” أول عميد للمعهد.

 

وبيتصدر اسمه الصحف والمحلات.

 

وبتسير خطة الموساد على ما يرام.

 

أو أكتر مما يرام.

 

ففي يوم في مكتبه.. بيزوره رجل ذو رتبة كبيرة.. من رئاسة الجمهورية المصرية.. وبيخبره ان الرئيس “السادات” عايز يقابله.

 

وبيجتاز “العطفي” المقابلة.

 

وبيشتغل كمدلك شخصي للرئيس.

 

وبيقفز رجال الموساد فرحا في هستيريا وجنون.

 

الخطة نجحت.

 

نجاح ساحق.

 

وبيبدأ “العطفي” أثناء تدليك السادات يستمع لتعليماته لرجاله.. ويستمع للمكالمات الهاتفية العاجلة اللي بتجيله.. ويستمع للحوارات اللي بتدور حوله في القصر من كبار رجال الدولة والقادة.. ويحفظ كل دا زي اسمه.. ويكتبه بالحبر السري.. ويرسله للموساد.

 

وبيتحرك بحرية تامة.. ببطاقة عمله في مؤسسة الرئاسة.. ويعدي بحقائب رسائل الحبر السري وأفلام الكاميرا والأسرار من الأكمنة ورجال الشرطة بسيارته في لامبالاة تامة.. وهو رايح يلقي خطابات الموساد في صناديق بريد محددة.. في مدن مصر المختلفة.

 

ومين حيفتش المعالج الشخصي لرئيس الجمهورية؟

 

دا وصل الامر ان قاعة كبار الزوار في مطار القاهرة.. كانت بتتفتح له مخصوص.. لما يسافر ويرجع.

 

وبيبقى “العطفي” جاسوس الموساد المفضل.. وبتنهال عليه مكافآت فادحة.. بتخليه ثري اكثر واكثر.. بدون ما حد ما يشك.. بسبب شهرته ومركزه العلاجي الشهير اللي بيتردد عليه صفوة المجتمع.

 

ولكن المخابرات المصرية بتلاحظ ان في شيء ما خطأ.

 

في سيل من الأسرار بيتسرب.. متعلق برئاسة الجمهورية.

 

من الرئيس نفسه.

 

أسرار مابتخرجش برا الغرف المغلقة والرئيس بيدي تعليمات او يناقش معاونيه.. او يستقبل مكالمة هاتفية.

 

وعلى الفور بيلتقط الملف الضابط المصري “محمد نسيم”.. او “السيد نديم” زي ما ظهر في مسلسل “رأفت الهجان”.

 

وبيراجع “نسيم” ملفات كل المقربين من الرئيس في دقة.. وبيتحرك بنفسه.. لمراقبتهم وجمع معلومات عنهم.

 

وفي سعيه خلف الجاسوس المجهول.. بيوصل “نسيم” لملف “العطفي”.. وبيراقبه.. ثم بينطلق خلفه لأمستردام.. للتحري عن زوجته وأسرته هناك.

 

وكان “العطفي” تملكه غرور بالغ.. فكان بيروح السفارة الإسرائيلية في هولندا بلا تمويه وعلى رجليه.. في وضح النهار.

 

وحصل السيد “نسيم” على مشتبه به أول.

 

ومحدد.

 

وبيرجع “نسيم” لمصر.. وفي القاهرة ودونما يشعر مخلوق واحد.. بيعد على “العطفي” أنفاسه.. ويراقبه دون ان يشعر.. او يشعر جواسيس الموساد.. اللي بيراقبوا “العطفي” عن بعد.

 

وبيرجع “العطفي” لهولندا.

 

وبيراقبه “نسيم” مرة تانية.

 

وبتكتمل الأدلة.. وبيحمل “نسيم” الملف.. ويتوجه به على الفور لمدير المخابرات المصرية.

 

وبيقرا المدير الملف كاملا.. وبينزعج في شدة.. خصوصا مع دقة ووضوح الأدلة اللي جمعها “نسيم”.. وبعدين بياخد الملف.. ويتوجه من فوره.. لمقابلة الرئيس “السادات”.

 

والحقيقة ان “السادات” قابل المدير بشك واستنكار بالغين.. لأنه كان واثق في “العطفي” وبيعتبره صديق شخصي، وسأل في غضب.. عن الضابط المسؤول عن الملف.

 

لما عرف أنه “محمد نسيم”.. تبخرت ثورته.. وهدأ تماما.. واستعاد المنطق السليم، وأمر بأن يستكمل “نسيم” عمله.. ويقبض على “العطفي” فورا.

 

وكان “العطفي” وقتها في هولندا.. فبيبعت “نسيم” لرجال المخابرات المصرية في أمستردام يشددوا الرقابة عليه.

 

وليلة عودة “العطفي”.. بيحجز ضابط مخابرات مصري تذكرة معاه على نفس الطيارة.. وعنده تعليمات أنه يقبض عليه بمجرد ما تهبط الطائرة من أمستردام في مطار القاهرة.

 

وبيركب الضابط الطائرة و”العطفي” على قائمة ركابها.

 

لكنه في مطار القاهرة.. “العطفي” مبينزلش من الطائرة.

 

مكانش موجود.

 

اتبخر تماما.. وكأنه مركبش الطائرة.

 

ودا اللي كان حصل فعلا.

 

الموساد استدعاه قبيل سفره.. وغيروا مواعيد رحلته بغتة.. في اللحظة الأخيرة.. كإجراء أمني مفاجيء.

 

وبيوصل “العطفي”.. لبيته في الزمالك.. في الساعة الثامنة وعشرين دقيقة.. في ليلة ٢٣ مارس، ١٩٧٩.. وبعد عشر دقائق.. في تمام الثامنة والنصف.. كان حي الزمالك كله محاط بسوار أمني محكم.

 

وبيخبط رجال المخابرات على بيت “العطفي”.. وبتفتح لهم الخادمة.. فبيقتحم “نسيم” والرجال البيت وغرفة مكتبه على الفور.. ويأمروه بعدم الحركة.. وكان لسه بملابس السفر.. ولما ثار عليهم.. وهدد بالاتصال بالرئيس “السادات” نفسه.. بيقدم له “نسيم” أذن النيابة وبيخبره ان أمره انكشف.

 

وبيبدأ الرجال يفتشوا البيت.

 

ورغم انه كان خافيهم كويس اوي.. لكنهم بيلاقوا الكاميرا والحبر السري وصور لاماكن عسكرية وأهداف حيوية.

 

وبينكر “العطفي” في اصرار وبيصرخ في “نسيم” أن رجاله دسوا الأدلة دي عشان يلبسوه تهمة وينكلوا به.. فبيطلع له “نسيم” من جيبه صورة له.

 

صورته هو نفسه، في لقاء سري في حديقة عامة.. مع ضابط الحالة التابع للموساد اللي قابله في هولندا.. وبيقول له “نسيم” اسمه الحقيقي.

 

“إيلي بيرجمان”.

 

وهنا.. بيشحب وجه “العطفي” وتتلاشى ثورته.. ويسقط منهارا.. على أقرب مقعد.

 

وساعتها بتدخل زوجته الهولندية البيت.. وبتنهار بدورها لما بتعرف ان جوزها خائن.. لأنها زي ما ثبت فيما بعد.. مكانتش تعرف حقيقة عمله.

 

وعلى مدار ٢٠ يوم.. بتنهال اعترافات “العطفي”.. حول خيانته.. وعلاقته بالموساد منذ العام ١٩٧٢.

 

قبل العبور بعام كامل.

 

يعني كان ممكن “العطفي” بالصدفة.. يعرف موعد الحرب الحقيقي.. ويدفع بكامل جيش مصر في كمين…!

 

بيتسجن “العطفي” وبينشر ابنه الهولندي طالب الهندسة اعلان ضخم في الصحف على نفقته.. يعتذر فيه للشعب المصري.. ويعلن تبرأه من والده ومن اسم والده.. حتى آخر العمر.

 

وبيرفض “السادات” طلبات إسرائيل وضغوطها المتتالية للعفو عنه او مبادلته.. وكذلك بيرفض الرئيس “مبارك” رحمه الله.

 

وأصيب “العطفي” بالعمى في السجن.. ومات بعدها بخمس سنوات.. في أول إبريل ١٩٩٠.

 

بعد وفاته ظهرت شائعة انه كان مدلك الرئيس الراحل “جمال عبد الناصر” وقتله بكريم سام.. لكن دي شائعة مالهاش أي علاقة بالواقع.

 

أما الجملة العجيبة اللي قالها “العطفي” في أول اعترافه لما اتقبض عليه.. فكانت:

 

“بصوا.. والله العظيم أنا كنت ناوي أبطل تجسس وأتوب تماما من أول الاسبوع الجاي. عشان كده حجزت طيارة هولندا السبت الجاي.. يوم الحد كنت حقابل الموساد وأقول لهم أني توبت.. وخلاص من بعدها كنت حمشي كويس”.

 

……..!!

 

 


اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار