
المتصابي… وهم السلطة وسقوط الهيبة
إبراهيم عمران
لم تعد ظاهرة “المتصابي” مجرد وصف اجتماعي عابر، بل أصبحت نموذجًا سلوكيًا يفرض نفسه داخل بعض البيئات المهنية، حين يتحول إنكار العمر إلى أسلوب حياة قائم على الوهم وصناعة صورة زائفة لا تستند إلى إنجاز حقيقي أو قيمة فعلية. فالمتصابي لا يكتفي بمحاولة الظهور أصغر سنًا، بل يسعى إلى بناء عالم كامل من الادعاءات يمنحه شعورًا مؤقتًا بالأهمية.
المتصابي في جوهره شخص يرفض الاعتراف بحقائق الزمن، فيستبدل النضج بالمبالغة، والحكمة بالاستعراض، محاولًا تقمّص دور الشاب عبر المظهر واللغة والعلاقات الاجتماعية. غير أن المشكلة لا تتوقف عند حدود الشكل، بل تمتد إلى سلوكيات أكثر تعقيدًا، حين تتحول المكانة المهنية — خاصة الأكاديمية — إلى أداة لصناعة نفوذ وهمي.
وتبرز إحدى أخطر صور التصابي حين يعمد بعضهم إلى إيهام دكاترة أو باحثات بقدرته على إلحاقهن بوظائف أو توفير فرص مهنية، مستغلًا الثقة المرتبطة بلقبه الوظيفي، بينما يكون الهدف الحقيقي هو إقامة علاقات شخصية تحت غطاء المساعدة المهنية. هذه الممارسات لا تقوم على قدرة فعلية بقدر ما تعتمد على الوعد المؤجل والكلام المنمق، قبل أن تنكشف لاحقًا باعتبارها مجرد وسيلة لجذب الانتباه أو تحقيق مصالح ذاتية.
المفارقة أن المتصابي غالبًا ما يرى نفسه شخصية استثنائية، ويتحدث وكأنه صاحب نفوذ واسع أو تأثير كبير، بينما يراه المحيطون به نموذجًا للسطحية وضعف القيمة المهنية. ومع ذلك، يظل غير قادر على الاعتراف بهذه الصورة الواقعية، متمسكًا بوهم التفوق الذي صنعه لنفسه، وكأن الاعتراف بالحقيقة يمثل تهديدًا مباشرًا لصورته الذاتية.
ويلاحظ أيضًا أن هذا النموذج يميل إلى الاعتماد على الآخرين ماديًا واجتماعيًا، إذ يعيش أحيانًا على حساب من خدعهم بعلاقاته أو وعوده، مستفيدًا من عاطفتهم أو ثقتهم، في الوقت الذي يُعرف عنه بخل شديد وتجنب دائم لتحمل أي التزامات مالية. ورغم حرصه المستمر على حضور العزائم والتجمعات، خاصة تلك التي تمنحه شعورًا بالاهتمام، فإنه نادرًا ما يكون طرفًا مبادرًا بالعطاء.
اجتماعيًا، يعكس هذا السلوك أزمة أعمق تتعلق بالخوف من فقدان المكانة أو الشعور بالفشل، فيلجأ المتصابي إلى تضخيم ذاته وصناعة أدوار أكبر من واقعه، بدلًا من مواجهة الحقيقة أو تطوير قدراته. وهنا يتحول التصابي من مجرد محاولة للتمسك بالحيوية إلى حالة من الإنكار المستمر للذات.
ويرى متخصصون أن أخطر ما في الظاهرة ليس العمر ولا الرغبة في الشباب، بل غياب الوعي بالحدود الأخلاقية بين العلاقات المهنية والشخصية، حين تصبح الوعود وسيلة للاستغلال، والصورة أهم من الجوهر.
وفي النهاية، يبقى التصابي محاولة للهروب من الزمن، لكنه هروب لا يدوم طويلًا. فالقيمة الحقيقية لا تُصنع بالادعاء، ولا تُبنى على خداع الآخرين، بل على احترام الذات والصدق مع الواقع. وعندما يتحول الإنسان إلى أسير لصورة وهمية، فإنه يفقد ما هو أهم من الشباب نفسه:
الاحترام.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.