
الدكتورة ولاء بسيوني طبيبة بكليه طب عين شمس
التغذية العلاجية… طب المستقبل الذي يبدأ من أسلوب الحياة»
«من شغف الطب إلى تغيير حياة الناس: رحلة طبيبة آمنت بأن العلاج يبدأ من الغذاء»
«حين يتحول العلم إلى أسلوب حياة… حوار مع طبيبة اختارت علاج الإنسان قبل المرض»
«بين المناعة ومقاومة الإنسولين: رحلة علمية تبحث عن صحة الإنسان الشاملة»
«الطب رسالة لا وظيفة… كيف تصنع التغذية العلاجية فارقًا حقيقيًا في حياة المرضي
حوار :إبراهيم عمران
في عالم يتسارع فيه إيقاع الحياة وتتغير أنماط المعيشة بوتيرة غير مسبوقة، لم يعد الطب الحديث قائمًا فقط على تشخيص الأمراض وعلاجها، بل بات يتجه نحو مفهوم أشمل يقوم على الوقاية وتحسين جودة الحياة قبل الوصول إلى مرحلة المرض. ومع تزايد معدلات الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، مثل السمنة ومقاومة الإنسولين واضطرابات التمثيل الغذائي، أصبحت التغذية العلاجية أحد أهم محاور الطب المعاصر، باعتبارها الجسر الحقيقي بين العلم والسلوك اليومي للإنسان.
هذا التحول لم يكن مجرد اتجاه علمي عالمي، بل أصبح قناعة راسخة لدى جيل جديد من الأطباء الذين أدركوا أن العلاج لا يبدأ داخل غرفة العمليات أو بوصفة دوائية فقط، وإنما يبدأ من تفاصيل الحياة اليومية: ما نأكله، وكيف نعيش، ومدى وعينا بصحتنا الجسدية والنفسية. ومن هنا برزت نماذج طبية اختارت أن تسلك طريقًا مختلفًا، يجمع بين البحث العلمي والتأثير الإنساني المباشر.
في هذا الحوار، نقترب من تجربة طبيبة شابة آمنت منذ بدايتها بأن الطب رسالة إنسانية قبل أن يكون مهنة، وأن استعادة الإنسان لصحته وثقته بنفسه قد تكون أحيانًا أهم من مجرد علاج عرض مرضي عابر. رحلة بدأت بشغف مبكر بالعلم، مرورًا بتجارب متعددة داخل تخصصات طبية مختلفة، من طب الأطفال إلى علم الأمراض الإكلينيكي، وصولًا إلى المجال الذي وجدت فيه رسالتها الحقيقية: التغذية العلاجية الإكلينيكية.
تخرجت في كلية الطب بجامعة عين شمس، واستكملت مسيرتها العلمية بدراسة الماجستير في مجال الخلايا المناعية، قبل أن تواصل البحث العلمي في مرحلة الدكتوراه حول مقاومة الإنسولين، أحد أبرز التحديات الصحية في العصر الحديث. وبين الدراسة الأكاديمية والعمل الإكلينيكي، تشكلت رؤيتها التي ترى أن الطبيب لا يعالج المرض فقط، بل يساعد الإنسان على بناء حياة صحية متوازنة.
الحوار لا يكتفي بسرد السيرة المهنية، بل يكشف أيضًا عن التحديات اليومية في التعامل مع المرضى، وصعوبة تغيير العادات الغذائية، وأهمية الصبر في رحلة العلاج، إلى جانب لحظات النجاح التي تمنح الطبيب طاقة للاستمرار. كما يناقش مستقبل التغذية العلاجية، ودورها في الطب الوقائي، ورؤية إنسانية تؤمن بأن التعلم رحلة لا تنتهي.
حوار يفتح نافذة على تجربة علمية وإنسانية تسعى إلى إعادة تعريف مفهوم العلاج… ليصبح أسلوب حياة. والي. نص. الحوار
■ بدايةً… كيف تشكلت علاقتك الأولى بالطب؟
منذ سنواتي الأولى كان لدي إحساس واضح بأن الطب ليس مجرد وسيلة لعلاج المرض، بل طريق لتحسين حياة الإنسان بشكل كامل. كنت دائمًا أرى أن استعادة الإنسان لصحته أو ثقته بنفسه قد تكون أحيانًا أهم من مجرد التخلص من عرض مرضي مؤقت. هذا المفهوم الإنساني للطب هو ما جذبني إليه، وجعلني أتعامل معه باعتباره رسالة لها تأثير حقيقي في حياة الناس.
حبي للعلم لعب دورًا أساسيًا أيضًا، فكنت دائمًا شغوفة بفهم كيفية عمل جسم الإنسان، وكيف يمكن لتفاصيل صغيرة أن تُحدث فرقًا كبيرًا في الصحة العامة.
■ لماذا اخترت دراسة الطب تحديدًا؟
الدافع كان مزيجًا بين الشغف العلمي والإحساس بالمسؤولية الإنسانية. نشأت في بيئة تؤمن بقيمة العلم والعمل، وكان هناك دعم أسري كبير شجعني على اختيار طريق أستطيع من خلاله مساعدة الآخرين.
كنت مقتنعة بأن مهنة الطب تمنح الإنسان فرصة حقيقية لترك أثر إيجابي، وهذا ما جعل القرار واضحًا بالنسبة لي منذ وقت مبكر.
■ مررتِ بعدة تخصصات قبل الاستقرار على التغذية العلاجية… كيف حدث ذلك؟
في بداية مشواري كنت حريصة على استكشاف أكثر من مجال طبي حتى أجد التخصص الأقرب لشخصيتي. عملت في طب الأطفال لمدة عام، وكانت تجربة إنسانية مهمة جدًا، لأنها علمتني الصبر والتواصل مع المرضى وأسرهم.
بعد ذلك اتجهت إلى دراسة علم الأمراض الإكلينيكي، وهو مجال علمي دقيق ساعدني على فهم أعمق للآليات المرضية داخل الجسم. ومع الوقت بدأت ألاحظ أن أكثر ما يجذبني هو العلاقة المباشرة بين نمط الحياة والصحة.
هنا اكتشفت أن التغذية العلاجية الإكلينيكية تجمع بين العلم والتأثير العملي اليومي، فوجدت فيها المجال الذي يعبر عن شغفي الحقيقي.
■ ما الذي يميز التغذية العلاجية عن غيرها من التخصصات الطبية؟
التغذية العلاجية لا تعالج المرض فقط، بل تعالج جذوره. هي تخصص يعتمد على فهم شامل للجسم والتمثيل الغذائي والمناعة والحالة النفسية أيضًا.
الميزة الأهم أنها تمنح المريض دورًا فعالًا في علاجه؛ فهو ليس متلقيًا للعلاج فقط، بل شريك أساسي في رحلة التعافي من خلال تغيير نمط حياته.
■ حدثينا عن رحلتك العلمية بعد التخرج؟
أنا خريجة كلية الطب بجامعة عين شمس، وبعد التخرج حرصت على استكمال المسار الأكاديمي. حصلت على درجة الماجستير وكانت رسالتي البحثية حول الخلايا المناعية، وهو موضوع فتح أمامي آفاقًا واسعة لفهم العلاقة بين المناعة والتغذية.
حاليًا أتابع دراسة الدكتوراه، وتركزت رسالتي حول مقاومة الإنسولين، باعتبارها أحد أهم التحديات الصحية المرتبطة بنمط الحياة الحديث. والحمد لله، خلال مناقشة الرسالة تلقيت إشادة كبيرة من الأساتذة، وكان ذلك دافعًا قويًا للاستمرار في البحث العلمي بنفس الحماس.
■ لماذا مقاومة الإنسولين تحديدًا؟
لأنها أصبحت محورًا رئيسيًا للعديد من الأمراض المزمنة، مثل السكري والسمنة واضطرابات الهرمونات. فهم هذه الحالة يساعدنا على الوقاية قبل العلاج، وهو ما يتماشى مع رؤيتي للطب الوقائي.
التغذية هنا ليست عاملًا مساعدًا فقط، بل جزء أساسي من العلاج.
■ ما أبرز الصعوبات التي تواجهك مع المرضى؟
أصعب تحدٍ ليس التشخيص، بل تغيير العادات. كثير من المرضى يبحثون عن نتائج سريعة، بينما التغيير الحقيقي يحتاج وقتًا والتزامًا.
التغذية ليست نظامًا مؤقتًا، بل أسلوب حياة، ودوري كطبيبة هو توعية المريض وإقناعه بأن التحسن التدريجي هو الطريق الأكثر أمانًا واستدامة.
■ وكيف تتعاملين مع توقعات المرضى السريعة؟
أبدأ دائمًا بالشرح العلمي المبسط، وأوضح أن الجسم يحتاج وقتًا للتكيف. عندما يفهم المريض السبب العلمي وراء الخطة العلاجية، يصبح أكثر تعاونًا.
العلاقة بين الطبيب والمريض تقوم على الثقة، وهذه الثقة تُبنى بالحوار والوضوح.
■ ما اللحظة التي تشعرين فيها بأن تعبك كان يستحق؟
عندما أرى مريضًا يستعيد صحته أو ثقته بنفسه. أحيانًا يأتي المريض منهكًا نفسيًا قبل أن يكون مرهقًا صحيًا، وعندما يبدأ في الشعور بالتحسن تتغير نظرته للحياة بالكامل.
هذه اللحظات هي المكافأة الحقيقية لأي طبيب.
■ هل للتغذية تأثير نفسي أيضًا؟
بالتأكيد، فهناك علاقة وثيقة بين التغذية والحالة النفسية. التوازن الغذائي يؤثر في الطاقة والتركيز والمزاج، ولذلك أتعامل مع المريض بصورة شاملة، وليس من زاوية جسدية فقط.
■ كيف ترين مستقبل التغذية العلاجية؟
أعتقد أنها ستكون أحد أهم أعمدة الطب في المستقبل، خاصة مع زيادة الوعي بأهمية الوقاية. العالم يتجه الآن نحو الطب الشخصي الذي يعتمد على احتياجات كل فرد، والتغذية عنصر أساسي في هذا الاتجاه.
■ هل البحث العلمي ما زال جزءًا أساسيًا من طموحك؟
بالتأكيد، لأن الطب بدون بحث علمي يفقد قدرته على التطور. أسعى دائمًا للجمع بين العمل الإكلينيكي والدراسة الأكاديمية، لأن كل منهما يكمل الآخر.
■ ما الرسالة التي تحبين توجيهها للمرضى؟
الصحة ليست هدفًا مؤقتًا، بل رحلة مستمرة. التغيير البسيط اليوم يمكن أن يمنع مشكلات كبيرة في المستقبل.
■ وماذا تقولين لطلاب الطب؟
أن يبحثوا عن التخصص الذي يشعرون فيه بالشغف الحقيقي، لأن الطب يحتاج إلى حب حقيقي قبل أي شيء آخر.
■ كيف تصفين رحلتك حتى الآن؟
هي رحلة تعلم مستمرة. كل مرحلة علمتني شيئًا جديدًا، وكل مريض أضاف خبرة إنسانية قبل أن تكون طبية.
■ كلمة أخيرة؟
أؤمن أن الطب طريق لا ينتهي من التعلم والعطاء. وأتمنى أن أستطيع من خلال عملي مساعدة النا
س على أن يعيشوا بصحة أفضل وطاقة أكبر وحياة أكثر توازنًا.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.