
أشعلوا الحرب لتوريط الرب… فتورطوا
بقلم/ ياسر الفرح
حين تتحول النبوءات الدينية إلى وقود للصراع العالمي؛
في واحدة من أخطر الظواهر التي تتسلل إلى مراكز القرار في واشنطن، لم يعد الحديث عن الحرب مجرد حسابات استراتيجية أو مصالح جيوسياسية، بل أصبح لدى بعض الدوائر العسكرية والسياسية امتدادًا لتفسيرات دينية ونبوءات آخر الزمان.
فقد كشف مايكي واينشتاين، مؤسس منظمة الحرية العسكرية للحقوق المدنية (MRFF)، أن بعض القادة العسكريين في الولايات المتحدة لا يكتفون باستحضار النبوءات الدينية، بل يعتقدون أن دونالد ترامب «مختار من المسيح». والأخطر من ذلك – بحسب واينشتاين – أن بعضهم يتعامل بحماسة مع احتمال إراقة المزيد من الدماء، انطلاقًا من اعتقاد بأن ذلك قد يسرّع عودة المسيح.
وفي مؤتمر عُقد مؤخرًا، زاد المشهد وضوحًا عندما صرّح وزير الدفاع الأمريكي هيغسيث بأن دعم أجندة الإدارة «ليس سياسيًا» بل «مستند إلى الكتاب المقدس». وهو تصريح يعكس حجم التداخل الخطير بين العقيدة الدينية والقرار العسكري داخل مؤسسة تمتلك أكبر ترسانة نووية في العالم.
وقد حذر واينشتاين من أن تسلل القومية المسيحية إلى المؤسسة التي تتحكم في الأسلحة النووية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن العالمي، لأن القرارات المصيرية قد تتحول حينها من حسابات عقلانية إلى قناعات عقائدية.
صقور واشنطن… ودفع الصراع إلى الحافة؛
في واشنطن، يزداد نفوذ جناح الصقور السياسي بوجهيه الجديد والقديم. فقد جاءت دعوة رايس لترامب لمواصلة العمليات العسكرية ضد إيران بمثابة ضوء أخضر لتجاوز المحظورات من أجل الوصول بإيران إلى ما يُسمى «الصفر النووي» في اقصر مدة ممكنة.
غير أن المفارقة تكمن في أن هذا المحظور قد يصل إلى استخدام السلاح النووي التكتيكي نفسه. ويدعم هذه النظرية اعلان ترامب قرب توقف العمليات العسكرية (في حين يجلب المزيد من القوات).
هدف واشنطن لا يقتصر على وقف البرنامج النووي الإيراني، بل هناك هدف قد يكون بنفس الاهمية وهو تقليم أظافر إيران الباليستية، وإنهاء أذرعها الإقليمية، وانتهاء نفوذها في المنطقة، بل وحتى إعادة تشكيل هويتها السياسية بقيادة موالية للولايات المتحدة.
صقور طهران… نهاية الصبر الاستراتيجي؛
على الجانب الآخر، تواجه طهران التصعيد بتصعيد،
فترشيح مجتبى خامنئي مرشدًا لإيران – المعروف بشدته وسيطرته القوية على الحرس الثوري – يشير إلى احتمال اقتراب إيران من التخلي عن سياسة «الصبر الاستراتيجي» التي تبنتها خلال السنوات الماضية.
المؤشرات المتزايدة توحي بأن إيران قد تنتقل إلى استراتيجية جديدة تقوم على «لا خطوط حمراء»، أي استخدام القوة المفرطة إذا لزم الأمر، خصوصًا في ظل الحصار والضغط العسكري والسياسي المتصاعد، إضافة إلى قناعة متنامية لدى صناع القرار في طهران بأن خصومهم لن يقبلوا سوى إنهاء النظام الإيراني عسكريًا.
حرب الظل… صراع استخباراتي مفتوح؛
في موازاة التصعيد العسكري، تتصاعد أيضًا حرب الاستخبارات بين الطرفين.
فقد أعلنت السلطات في أذربيجان اعتقال خلية إيرانية كانت تخطط لتفجير أنابيب نفط وكنيسة يهودية، في خطوة يُعتقد أنها كانت تهدف إلى ممارسة ضغط أمني واقتصادي على الولايات المتحدة وحلفائها.
لكن انكشاف هذه الخلية قد يمنح أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية فرصة أوسع للعمل داخل المنطقة، خصوصًا في ظل محاولات جر بعض الدول المجاورة إلى الدخول المباشر في المواجهة.
وليس بعيدًا عن ذلك، فقد شهدت الأشهر الأخيرة اعتقال خلايا استخباراتية مشابهة في تركيا وقطر، ما يعكس حجم الحرب الخفية التي تدور خلف الكواليس.
مآلات الصراع؛
لبنان… المعركة التي قد تتجاوز الليطاني
دخول حزب الله اللبناني في الحرب – والذي كان متوقعًا أن تستخدمه إيران كورقة ضغط متأخرة – يعكس وصول طهران إلى مرحلة عسكرية صعبة.
وقد منح ذلك إسرائيل ذريعة لتوجيه ضربات قاسية للحزب، لم تقتصر على الأهداف العسكرية فحسب، بل امتدت إلى استهداف الحاضنة المدنية عبر تهجير السكان من قراهم وقصف مناطق نزوحهم، في تكرار واضح لما كنت تصنعه مع ابناء غزة.
إسرائيل لن تتوقف عند نهر الليطاني كما تعلن رسميًا، بل سوف تتوسع عملياتها على الارض بحجة البحث عن مستودعات الصواريخ الباليستية لتصل إلى ما بعد الضاحية الجنوبية إلى اطراف بيروت.
وفي المقابل، يستعد أكثر من خمسة آلاف مقاتل مدرب ومجهز بالكامل لخوض معارك الصد والهجوم المعاكس، وربما التوغل داخل الأراضي المحتلة.
سوريا… وتوازن حذر؛
في المشهد السوري تمارس الولايات المتحدة ضغوطًا على دمشق للتدخل المباشر في المناطق الحدودية مع لبنان بهدف زيادة الضغط العسكري على حزب الله.
حتى الآن نجحت القيادة السورية في تجنب هذا الانزلاق، لكن المعادلة قد تتغير إذا لجأت واشنطن إلى تحريك الفصائل المسلحة في الساحل أو مناطق أخرى للضغط على دمشق وإجبارها على التدخل.
اليمن… باب المندب في قلب المعركة؛
في اليمن، ألقى فقدان الحرس الثوري لقياداته العليا بظلاله على جماعة أنصار الله( الحوثيين).
وقد انتشرت مؤخرًا تقارير عن خلافات داخلية بين بعض قيادات الجماعة ومسؤولين من الحرس الثوري في صنعاء، ربما تتعلق بكيفية وتوقيت المشاركة في الصراع.
لكن المؤشرات الميدانية ترجح أن أنصار الله قد يواجهون هجومًا استباقيًا واسعًا، جويًا وبريًا، خلال الأيام أو الأسابيع القليلة القادمة ، بهدف منعهم من إغلاق مضيق باب المندب وتعطيل الملاحة في البحر الأحمر.
وقد تناقلت تقارير عن تحليق لطائرات استطلاع أمريكية وإسرائيلية فوق عدة مناطق يمنية مؤخرًا.
العراق… معركة تحييد الحشد الشعبي؛
تشير التوقعات إلى احتمال تنفيذ ضربات عسكرية اكثر قوة وتركيز لتحييد الحشد الشعبي.
الى جانب معركة برية تقودها فصائل عراقية معارضة للحشد مثل الفصائل السنية – و التيار الشيعي القومي – في مواجهات مباشرة معه على الأرض، إضافة إلى ضغوط سياسية على الحكومة العراقية لرفع الغطاء الرسمي عنه.
الدول العربية وتركيا … بين فكي كماشة؛
وسط هذا المشهد المضطرب، تجد هذه الدول نفسها بين فكي كماشة.
فإذا هُزمت إيران، فقد تتحول إيران نفسها إلى دولة تابعة للولايات المتحدة وإسرائيل، ما قد يجعل المنطقة العربية ومعها تركيا هدفًا سهلًا للتحالف الصهيوأمريكي.
أما إذا انتصرت إيران، فإن كثيرًا من هذه الدول تتوجس من عودة طهران بقوة أكبر إلى سياسة التمدد داخل أراضيها، وهى دولة غير صديقة لتركيا أساساً.
لذلك تضغط هذه الدول الى خروج إيران من الحرب ضعيفة… لكن غير مهزومة.
الى متى يا عرب؟؛
عدم قراءة اميركا لقوة خصمها الحقيقية، ورطها في حرب استنزاف واظهر عدم استعدادها لحماية حلفائها بل وسحبت الغطاء الدفاعي عنهم لتحمي قواتها و حليفها الأهم اسرائيل.
بعض الدول العربية قد تكون تعلمت الدرس، وربما تسعى في المرحلة المقبلة إلى إعادة صياغة تحالفاتها وبناء جيوش قادرة على حماية سيادتها، وعدم الاعتماد على الغير لحمايتها.
عندما تُشعل الحروب في السماء… فإن الضعفاء على الأرض من يدفع الثمن.
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.