العاصمة

‎2026… عام التحالفات المستحيلة

2

 

بقلم/ ياسر الفرح

 

‎لم يعد عام 2026 عامًا عاديًا، بل تحوّل إلى لحظة فاصلة تُعاد فيها صياغة الجغرافيا السياسية، وتُكسر فيها محظورات التحالف التي كانت تُعدّ حتى الأمس القريب “مستحيلة”. في الثالث من يناير 2026، كنت قد أشرت في مقالتي «غزة بين معادلات الإقليم وصراع النفوذ الدولي» إلى أن التهوّر الإسرائيلي، مقترنًا بالطمع الأميركي، سيدفع دول المنطقة قسرًا نحو بناء تحالفات وشبكات دفاع مشترك، نتيجة فقدان الثقة بهذا الثنائي العاجز عن الالتزام أو التنبؤ بأهدافه القادمة. وجاء العدوان الإسرائيلي على قطر، وما رافقه من موقف أميركي بدا أقرب إلى الموافقة الضمنية، ليؤكد أن المنطقة دخلت طورًا جديدًا لا مكان فيه للحياد أو الانتظار.

 

‎الهلال الإسرائيلي…

لم تعد إسرائيل مجرد تهديد مباشر للفلسطينيين، بل تحولت إلى خطر وجودي واستراتيجي يمتد من خاصرة الشام إلى عمق إفريقيا. فسوريا وتركيا ولبنان تواجه تحديًا مفتوحًا، بينما تتعرض دول الإقليم لهلال نفوذ يتسع باضطرابات مصنوعة بعناية في ليبيا، والسودان، وإثيوبيا، وأرض الصومال، وصولًا إلى اليمن.هذا الهلال ليس مجرد فكره، بل مشروع حصار متكامل يستهدف دولًا تُعدّ عائقًا أمام حلم “إسرائيل الكبرى”: مصر، السعودية، اليمن، تركيا، وإيران. ففي مصر، يتجلى الخنق عبر سدّ النهضة في إثيوبيا، مدعومًا بتموين إسرائيلي، وبإشعال السودان من خلال تسليح وتدريب “الدعم السريع”، ودعم حفتر في ليبيا. أما إثيوبيا، فيُعمل على منحها منفذًا سياديًا على البحر الأحمر، وهو ما يفسّر الاعتراف الإسرائيلي بأرض الصومال، تمهيدًا لبناء قاعدة عسكرية تخدم تل أبيب وحليفتها أديس أبابا، وتشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري.

 

‎حصار الممرات…

تتحرك إسرائيل بخطى ثابتة للسيطرة على مفاصل الملاحة الدولية. فمن أرض الصومال والجزر اليمنية، تسعى لإحكام قبضتها على باب المندب، ما يعني تهديدًا مباشرًا لقناة السويس، شريان الاقتصاد المصري، وخطرًا استراتيجيًا على السعودية المطلة على البحر الأحمر. وليس ذلك فحسب، فهذه القواعد ستضع صنعاء في مرمى النار، وتحوّل البحر الأحمر من ممر تجاري إلى ساحة صراع مفتوحة.

 

‎اليمن…داخل اللعبة

الاحداث في اليمن لا يمكن فصلها عن هذا السياق. فالأصابع الإسرائيلية تبدو واضحة في محاولة إيجاد موطئ قدم في هذه المنطقة الحساسة، التي تمنح من يسيطر عليها إطلالة مزدوجة على البحر الأحمر وبحر العرب. حضرموت تعني تهديدًا مباشرًا للأمن السعودي، وضغطًا على مسقط، واقترابًا خطيرًا من مضيق هرمز، بما يحمله ذلك من رسالة مباشرة إلى طهران. إنها حلقة مركزية في سلسلة تطويق الإقليم من كل الجهات.

 

‎التحالفات المستحيلة…

حين تفرض الجغرافيا كلمتها في مواجهة هذا الزحف، بدأت ملامح تحالفات غير تقليدية تتشكّل. تحالف سعودي–مصري–تركي يبدو اليوم منطقيًا وضروريًا، لا ترفًا سياسيًا. لكن اللافت أكثر هو المؤشرات المتزايدة على تقاطع مصالح هذا التحالف مع إيران وصنعاء، في هدف واحد: كبح النفوذ الإسرائيلي ومنع اكتمال مشروع الحصار. وقد تنضم مسقط إلى هذا المسار، بعدما بات الخطر يقترب من عتباتها. تحالف كهذا، إن وُلد، سيضع إسرائيل أمام معادلة شديدة التعقيد، وسيجبر الحليف الأميركي على إعادة الحسابات، لأنه ببساطة منشغل بمعاركة وطموحاته، ولا يستطيع خسارة مصالحه مع هذه الدول مجتمعة. وحينها، قد يجد نفسه مضطرًا لكبح جماح إسرائيل… ولو مؤقتًا.

 

‎أخيرًا… الاتحاد أو السقوط

المرحلة لا تحتمل التردد ولا سياسة إدارة الأزمات بالمسكنات. ما يُحاك للمنطقة أكبر من نزاعات عابرة؛ إنه مشروع تفكيك ممنهج، يستهدف الاستفراد بالدول المركزية وإضعافها حتى لا تشكّل عائقًا أمام المشروع الصهيوني. في هذه اللحظة التاريخية، لم يعد الاتحاد خيارًا أخلاقيًا أو شعارًا سياسيًا، بل شرط رئيسي للبقاء. 2026 ليس عامًا عاديًا… إنه عام التحالفات المستحيلة، التي قد تصبح وحدها الممكنة.


اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

2 تعليقات
  1. Clint1611 يقول
  2. Leyla Strickland يقول

    For the reason that the admin of this site is working, no uncertainty very quickly it will be renowned, due to its quality contents.

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار