العاصمة

حين لا نكون على ما يرام

3
علاء حمدي
كتب د : خالد السلامي
ليس من الضروري أن يحدث شيء كبير كي لا نكون على ما يرام.
أحيانًا، يكفي تراكم الأيام. يكفي أن تتشابه الصباحات أكثر مما ينبغي، وأن تمضي المساءات دون أثر واضح، وأن نشعر بأننا نؤدي الحياة بدل أن نعيشها.
هذه الحالة لا تُصنَّف بسهولة.
ليست حزنًا صريحًا يمكن الإشارة إليه، ولا فرحًا يستحق الاحتفال، ولا حتى أزمة تبرر التوقف. إنها منطقة رمادية، معلّقة، يعيش فيها كثيرون دون أن يملكوا اسمًا دقيقًا لما يشعرون به. نقول فيها: أنا بخير، لا لأننا كذلك، بل لأن العبارة أسهل من الشرح. حين لا نكون على ما يرام، نستيقظ وننجز. نضحك في الأماكن المتوقعة. نرد على الرسائل. نفي بالالتزامات. كل شيء يعمل… إلا الداخل.
هناك تعب لا يُرى.
لا يظهر في الخطوات ولا في الصوت، لكنه يثقل الفكر. تعب من الاستمرار، من التماسك الدائم، من الاضطرار لأن نكون مفهومين ومقبولين ومنتجين في الوقت نفسه. كأن الحياة تطلب منا أداءً مستمرًا بلا فترات صمت حقيقية.
الغريب أن هذا التعب لا يُسمح له بالظهور. تعلمنا، بطريقة ما، أن الاعتراف بعدم الاتزان ضعف، وأن التعب يجب أن يُدار بصمت، وأن الشكوى علامة على قلة الامتنان. فنتقن الإخفاء. نطوّر مهارات التظاهر. نبتسم حيث ينبغي، ونؤجل الانهيار إلى وقت غير محدد.
لكن الجسد يتذكر. والقلب لا ينسى. حين لا نكون على ما يرام، يصبح الصمت أثقل من الكلام. نجد صعوبة في الشرح، لا لأن الكلمات غير موجودة، بل لأننا لا نعرف من أين نبدأ. كيف تشرح حالة لا سبب واضح لها؟ كيف تبرر شعورًا لا يرتبط بحادثة واحدة، بل بتراكم طويل من التفاصيل الصغيرة؟ ربما لهذا السبب، نفضّل الصمت.
نخشى أن يُساء فهمنا، أو أن تُقابل هشاشتنا بنصائح جاهزة، أو بأسئلة من نوع: لكن ما الذي ينقصك؟ وكأن الشعور لا يُعترف به إلا إذا كان له سبب واضح، تاريخ، أو عنوان. في هذه المساحة، يتعلم الإنسان أن يكون قويًا أكثر مما يحتمل. القوة هنا ليست اختيارًا، بل ضرورة. لأن التوقف غير متاح، ولأن العالم لا ينتظر أحدًا كي يعيد ترتيب داخله. فنمضي، نجرّ أنفسنا بهدوء، ونقنع الآخرين – وربما أنفسنا – بأن الأمور تحت السيطرة.
لكن السيطرة ليست دائمًا سلامًا. أحيانًا هي مجرد قدرة على تأجيل الانهيار. حين لا نكون على ما يرام، تتغير علاقتنا بالوقت. الأيام تمرّ، لكنها لا تُحسَب. لا شيء مميز، ولا شيء سيئ بما يكفي ليُذكر. مجرد سلسلة من اللحظات المتشابهة. وكأن الحياة دخلت وضع “الحد الأدنى”: أقل شعور ممكن، أقل توقع ممكن، فقط كي نستمر.
وهنا، تكمن الخطورة. ليس في الألم الصريح، بل في التبلّد. في الاعتياد على أن لا نشعر كثيرًا، لأن الشعور مرهق. في تقليل سقف الفرح كي لا نخيب. في تقليص الأحلام إلى حجم آمن. ومع ذلك، لا يمكن إنكار شيء مهم: هذه الحالة إنسانية جدًا.
ليست فشلًا، ولا خللًا أخلاقيًا، ولا دليل ضعف شخصية. هي نتيجة طبيعية لحياة سريعة، مطالبة، مليئة بالأدوار، قليلة المساحات الآمنة. نتيجة لأننا نُطالَب بالتماسك أكثر مما نُمنَح الفهم. لأننا نعيش في عالم يقدّر الأداء أكثر من الصدق. حين لا نكون على ما يرام، نحتاج أقل مما نظن.
لا نحتاج دائمًا حلولًا، ولا خططًا، ولا خطابات تحفيزية. أحيانًا نحتاج فقط إلى اعتراف. إلى شخص يقول: نعم، هذا شعور مفهوم. إلى مساحة لا نُطالَب فيها بأن نكون أفضل فورًا.
نحتاج أن نسمح لأنفسنا بالتباطؤ قليلًا. أن نقرّ بأننا متعبون دون تبرير. أن نكفّ عن مقارنة داخلنا المضطرب بواجهات الآخرين المصقولة. أن نتذكر أن ما نراه من حياة الآخرين هو الجزء المعروض فقط، لا الكواليس. الأهم من ذلك، نحتاج أن نكون أكثر لطفًا مع أنفسنا.
أن نخفف لغة القسوة الداخلية. أن نتوقف عن محاسبة أنفسنا على كل شعور لا يبدو “مثاليًا”. أن نفهم أن الاستقرار ليس حالة دائمة، بل موجة نصعدها وننزلها. ربما لن نكون على ما يرام اليوم. وربما غدًا أيضًا. لكن هذا لا يعني أننا مكسورون، أو ضائعون، أو متأخرون عن الحياة.
يعني فقط أننا بشر، نحاول، ونتعب، ونواصل بما تيسّر من القوة.
وفي لحظة ما – غالبًا دون إعلان – يتحرك شيء في الداخل.
ليس لأن كل شيء صار أفضل، بل لأننا صرنا أصدق مع أنفسنا. لأننا لم نعد نهرب من الشعور، بل نجلس معه قليلًا. نسمح له بالمرور. وحينها، لا نصبح “على ما يرام” فجأة، لكننا نصبح أقرب إلى ذلك. وهذا، في حد ذاته، بداية كافية.
المستشار الدكتور خالد السلامي.

اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة

اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.

اترك رد

3 تعليقات
  1. jiliglory يقول

    Heard about Jiliglory and decided to check it out. It’s got a decent selection of games, and the site is pretty easy to navigate. Definitely worth a look if you’re looking for something new. Give jiliglory a try!

  2. medusagamevn يقول

    What’s up guys? Trying out medusagamevn. The themes are interesting. Could be a fun time killer. See what you think at medusagamevn

  3. roobetpromo يقول

    Looking for the latest Roobet promos? Who isn’t?! Seriously though, getting the best promo codes can make a huge difference. Here’s where you can find em: roobetpromo

يستخدم هذا الموقع ملفات تعريف الارتباط لتحسين تجربتك. سنفترض أنك موافق على ذلك ، ولكن يمكنك إلغاء الاشتراك إذا كنت ترغب في ذلك. قبول قراءة المزيد

آخر الأخبار
قريبا .. ستقوم محافظة سوهاج بطرح عدد 11 فرصة استثمارية بالتعاون مع البنك الأهلي المصري قطاع أمناء ال... جودي فوستر تفتح النار على هوليوود: الاستغلال الجنسي للمراهقات حقيقة داخل الصناعة رئيسة المفوضية الأوروبية: صرف مليار يورو لمصر يؤكد التزامنا بالشراكة الاستراتيجية الشاملة محافظ سوهاج يهنئ شيخ الأزهر ومفتي الجمهورية ووزير الأوقاف بذكرى ليلة الإسراء والمعراج بهاء أبو شقة ينسحب من انتخابات رئاسة الدكتور حسان النعماني رئيس جامعه سوهاج يتابع عمليه سير امتحانات الفصل الاول * للطب البشري* نفى مصدر أمنى جملة وتفصيلاً صحة ما ورد بمنشور منسوب صدوره لإحدى المنظمات المرتبطة بجماعة الإخوان الإ... إستمراراً للضربات الأمنية لجرائم الإتجار غير المشروع بالنقد الأجنبى والمضاربة بأسعار العملات وزارة الداخلية تواصل حملاتها المكثفة لضبط الأسواق والتصدى الحاسم لمحاولات التلاعب بأسعار الخبز الحر ... وزارة الداخلية تواصل حملاتها المرورية بكافة الطرق والمحـاور على مستوى الجمهورية