
تجليات أنوار الله بالليل.. وفضائل قيام الليل
كتب حاتم الورداني علام
الليل في الدين الإسلامي ليس مجرد وقت من أوقات اليوم، بل هو عالم خاص للخلوة والمناجاة، وحجاب رقيق بين العبد وربه، يجعل المؤمن في حالة من القرب لا تضاهيها حالات النهار بما فيه من شواغل..
قال تعالى:
“وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا”..
(الإسراء: 79).
الليل في القرآن الكريم:
1. الليل سكن ولباس:
قال تعالي:
“وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ”
(الليل: 1)
– فالله يقسم بالليل عندما يغطي الكون بظلامه، كاللباس الذي يستر العيوب ويوفر الخصوصية.
وقال تعالي:
“وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا”
(النبأ: 10)
– تشبيه بديع يجعل الليل كالثوب الواقي الذي يحمي خصوصية المؤمن في عبادته.
2. خصوصية العبادة الليلية:
وقال تعالي :
“وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا”..
(الإنسان: 26)
وقال تعالي:
“كَانُوا قَلِيلًا مِّنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ” (الذاريات: 17)
الليل في السنة النبوية:
حديث التجلي الإلهي:
قال رسول الله ﷺ:
“ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول:
من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟”
(متفق عليه).
ومن وصايا النبي ﷺ في قيام الليل:
قال ﷺ:
“أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ” (متفق عليه).
وعن عائشة رضي الله عنها:
“كان رسول الله ﷺ يقوم من الليل حتى تتفطر قدماه” (البخاري).
أقوال الصحابة والتابعين:
أبو بكر الصديق رضي الله عنه:
كان يقول: “الليل خير من النهار، لأنه وقت الخلوة بالرحمن”.
عمر بن الخطاب رضي الله عنه:
روي أنه كان يطيل القيام، وإذا قرأ الآيات التي فيها وعيد بكت حتى يسمعه من في البيت.
علي بن أبي طالب كرم الله وجهه:
قال: “نوم الليل يحرم العبد من لذة المناجاة”.
الحسن البصري:
كان يقول: “لم أجد عبادة أشد من عبادة الليل، ولذة أكرم من لذة الخلوة بالله”.
الليل في كلام العارفين بالله:
الإمام الغزالي رحمه الله:
في كتابه “إحياء علوم الدين” فصل خاص بفضائل قيام الليل، ذكر فيه: “قيام الليل شعار الصالحين، ودأب العابدين، وقربة المتقين”.
سيدي محي الدين بن عربي رحمه الله:
كما ورد في النص الأصلي، يرى ابن عربي أن الله جعل الليل لأهله مثل الغيب لنفسه، فهم في ظلمة الليل كالله في غيبه، لا يطلع على أسرارهم أحد سواه.
الإمام الجنيد البغدادي:
قال: “الليل طويل فلا تقصره بمنامك، والنهار طويل فلا تقصره بذنوبك”.
قصص حقيقية من أحوال السالكين
1. قصة الإمام أحمد بن حنبل:
كان رحمه الله يقوم الليل كله، ويقول لابنه: “يا بني، اطلب العلم، فإني لا أعلم درجة بعد درجة النبوة أفضل من بث العلم”.
2. سفيان الثوري:
كان يصلي الليل كله، فإذا أصبح قال: “اللهم إنك تعلم أني لو قدرت على أن لا أنام لعبدتك به لم أنم”.
3. الفضيل بن عياض:
كان يطيل السجود، فقيل له: إن الناس يتهمونك بالرياء! فقال: “الرياء رياء، والليل ليصبح نهارهم ونهاري ليلهم”.
4. رابعة العدوية:
كانت تقول في مناجاتها: “إلهي، أنارت النجوم، ونامت العيون، وغلقت الملوك أبوابها، وخلا كل حبيب بحبيبه، وهذا مقامي بين يديك”.
تفسيرات صوفية لآيات الليل:
1. قوله تعالى:
“فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ”
(السجدة: 17)
قال بعض المفسرين الصوفيين:
“هذه القرة تبدأ في الدنيا بلذة المناجاة، وتكتمل في الآخرة بلقاء الرحمن”.
2. قوله تعالى: “وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا”
(الفرقان: 64)
قال القشيري في تفسيره:
“بياتهم سجوداً وقياماً معناه أنهم جعلوا الليل كله عبادة، فليس لهم نوم إلا كالنوم في السجود”.
3. قوله تعالى: “أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ”
(الزمر: 9)
قال ابن عطاء الله السكندري:
“القيام في الليل يورث الحذَر من الآخرة، والرجاء لرحمة الرب”.
خاتمة روحانية
يا طالب الوصال، ويا سالك طريق الحق:
الليل آية من آيات الرحمن،وهدية من هدايا الإحسان، فاغتنم ظلمته لتنير قلبك بأنوار المعرفة، واغتنم سكونه لتسمع نداء الحبيب: “هل من داع فأستجيب له؟ هل من تائب فأتوب عليه؟”.
الليل مدرسة العاشقين، وخلوة المحبين، وواحة الواصلين. فيه تذوب الحجب، وتنكشف الغيوب، وتتجلى الأنوار. فكن من أهله تكن من أهل الله، واقبل على خلواته تقبل عليك تجلياته.
الليل ليس فراقاً للأنام، وليس راحة للأجساد، بل رياضة للأرواح. فطوبى لمن جعل الليل سراجاً يهديه، ورفيقاً يؤنسه، وشاهداً يشهد له عند ربه.
اللهم اجعلنا من عبادك المقبلين عليك في الأسحار، المخلصين لك في السرائر، المستغرقين في محبتك في الليل والنهار، واجعل قيامنا بين يديك شفيعاً ل
نا يوم نلقاك، ووسيلةً لقربك ورضاك.
اللهم صلِّ وسلم وبارك على الحبيب المصطفى سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
اكتشاف المزيد من بوابة العاصمة
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
Wait a second…dubeyclinic? That sounds more like a med spa than a betting site (or should be). This is a bit confusing. Is there even a betting aspect? ev88dubeyclinic