0 6

اسحق فرنسيس يكتب اسرار التحركات واللقاءات الإخوانية والدولية التى تم رصدها

حسب تقديرا اللواء عمر سليمان، وصلت مصر فى عام 2010، إلى مرحلة فى غاية الخطورة، توشك بالقضاء

على الدولة المصرية، صحيح أنه خلال الفترة التى قاد فيها المخابرات العامة المصرية لم تتوقف التهديدات

والمخاطر، سواء من ناحية الشرق حيث الاحتلال الإسرائيلي،، وفى الجنوب حيث نظام سودانى حاكم رغم

كل المحاولات المصرية هو فى النهاية نظام حكم دينى، أما فى الغرب ناحية ليبيا فالبرغم من العلاقات الوثيقة

مع ليبيا فإن التحركات المفاجئة وغير المحسوبة للزعيم الليبي معمر القذافى شكلت تهديدا فى أحيان كثيرة..

ومع كل هذه التهديدات الخارجية لمصر من محيطها الإقليمى فإن ما كان يحاك فى الظلام، وفى عواصم

متعددة، وما وصله من معلومات جعله فى غاية القلق.. والتحسب. لم يكن عمر سليمان يعمل على حماية الرئيس

السابق حسنى مبارك، وإن كان هذا طبيعيا باعتبار انه فى هذه المرحلة كان مبارك عنوانا للشرعية فى مصر، لكن

المخاطر تخطت الإطاحة بالرئيس حسنى مبارك، إلى ما هو اعقد من ذلك، إسقاط مصر كلها، وإدخالها، فى حالة

من الفوضى، تقضى على الدولة، وتجبر الجيش على الدخول فى أتون حرب أهلية تؤدى إلى تفتيته كما حدث

مع الجيش العراقي من قبل، ثم مع الجيش السورى بعد ذلك. ورغم أن المعلومات الأولية كانت واضحة وصريحة

وكافية وتتحدث عن اجتماعات بين مسئوليين فى المخابرات الأمريكية وقيادات إخوانية، ثم دخول

إسرائيل على الخط، ووصول تمويل قطرى إيرانى للإخوان وصل إلى خمسة مليارات دولار كما ذكرنا فى الحلقة السابقة، فإنه طلب من رجاله المزيد من الحركة

وجمع المعلومات، لأن أى مخطط فى النهاية له توقيتات محددة وإجراءات على الأرض، وهو ما كان مطلوبا

التوصل إليه بأقصى سرعة وبمنتهى الدقة وتحليل المعلومات للتوصل إلى نتائج مهمة وهو ما حدث. كل

المعلومات التى تراكمت أمام اللواء عمر سليمان، صبت كلها فى خانة تحرك جماهيرى واسع، يترافق معه هجوم

على المؤسسات الحيوية للدولة، يؤدى إلى شل الشرطة، بحيث يختفى الأمن تماما ومن ثم تصبح مصر جاهزة

للسقوط فى يد الفصيل الأكثر تنظيما، وتمويلا، وإعدادا، وتنسيقا مع جهات خارجية، وهو جماعة الإخوان

المسلمين. ورغم أنه ليس من مهام جهاز المخابرات متابعة الحالة السياسية داخل البلاد، إلا إذا اقترن ذلك

بتعاون مع جهات أجنبية، فإن المخابرات العامة وجدت نفسها فى النهاية أمام مجموعة من الخيوط المتشابكة

تجمع ما بين الخارج والداخل، وتدخل فى صميم عمل الجهاز. لاحظ عمر سليمان مثلا ان هناك ضغوطا أمريكية

متواصلة على الرئيس حسنى مبارك للإفراج عن رئيس حزب الغد المسجون بتهمة تزوير توكيلات تأسيس حزبه،

لدرجة أنه لم يأت مسئول أمريكى إلا وطرح هذا الموضوع على مبارك، حتى خرج أيمن نور بعفو صحى

وكان هذا الاهتمام بقضية أيمن نور مثيرا للانتباه، وللتساؤل: ما هو سر هذا الاهتمام الأمريكي الكبير بأيمن

نور؟ وحين بدأت بعض الجماعات السياسية الشابة فى تلقى دورات تدريبية على مقاومة الشرطة وتنظيم

التظاهرات، وإسقاط النظم السياسية، لوحظ أن بعضا ممن خضعوا لهذه الدورات كانوا أعضاء فى حزب الغد، قبل أن يخرجوا منه بعد سجن رئيسه أيمن نور ويشكلوا

حركات احتجاجية وسياسية جديدة وشابة. لكن هذا لم يكن يعنى بالضرورة أن كل الحركات السياسية الجديدة

والشابة مرتبطة بالخارج، فقد بدأ العديد من الشباب الانغماس فى العمل السياسي الاحتجاجى لدوافع وطنية، ودون أية ارتباطات خارجية، اعتبارا من عام 2008،

وظل الاهتمام الشبابي بالعمل العام فى تزايد. لوحظ أيضا فى نهاية عام 2010 أن عددا من الشباب الذى يجرى

تدريبه خارج مصر على مقاومة الشرطة، على علاقة وإن كانت غير ظاهرة وواضحة المعالم مع جماعة الإخوان

المسلمين، وهو ما وضع علامات استفهام حول عمل تلك الحركات وأهدافها الحقيقية وعلاقتها بجماعة الإخوان.

واعتباراً من أكتوبر 2010 رصد جهاز المخابرات العديد من الاتصالات بين جماعة الإخوان وجهات خارجية إضافة إلى تدريب بعض الجماعات ليس على الحشد

والاجتماعات فقط، وإنما على مواجهة الشرطة، والمثير أن أحدى هذه الدورات عقدت فى مصر فى يناير 2011

واستمرت 3 أيام. وبينما كانت صفحة كلنا خالد سعيد على فيس بوك تحشد لمظاهرات يوم 25 يناير 2011، كانت المعلومات التى توافرت لدى الجنرال عمر سليمان

تفيد أن الإخوان المسلمين جزء اصيل من هذا الحراك، او القوة الأكثر تنظيما وفاعلية، وعنفا، والتى تسعى لتحقيق أهداف أخرى، غير تلك المطالب التى يتحرك بها

المواطنون العاديون، ووفقا للتوقعات التى توافرت للجنرال عمر سلمان كانت التقديرات تشير إلى أن عدد

المتظاهرين يوم الثلاثاء 25 يناير سيترواح بين 90 ألفا إلى 120 الف شخص. ثمة تطور سياسي بارز طرأ على

العلاقات المصرية الأمريكية، وهى زيارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما للقاهرة، وتوجيه خطاب من جامعة القاهرة للعالم الإسلامى، كان الرئيس السابق حسنى مبارك يمر

بمرحلة من الاكتئاب والزهد فى السلطة عقب وفاة حفيده، لذلك رفض ان يقابل الرئيس الأمريكى فى المطار،

وقال أوباما جاء للقاهرة لإلقاء خطاب وليس فى زيارة رسمية، وبالتالى لن أستقبله رسميا، كما رفض مبارك لقاء

أوباما وبعد اتصالات بين وزارتى الخارجية، وجهازى المخابرات تم إقناع مبارك باستقبال مبارك لأوباما فى قصر القبة فى لقاء مجاملة وتناول الإفطار معا، وعقد

جلسة مباحثات لا تتعدى نصف ساعة، وهو ما وافق عليه مبارك أخيرا. فى اللقاء، لم يتبادل مبارك الحديث مع أوباما وظل صامتا، واقتصر الحوار على المرافقين، لكن

أوباما خرج من هذا الاجتماع بقناعة انه أمام نظام سياسي فى مصر بلغ مرحلة الشيخوخة وأنه يجب تغييره.. وفى هذا التوقيت أصبح أوباما ميالا لوجهة النظر الإسرائيلية القائلة ان نظام مبارك أيل للسقوط،

بعكس ما كانت ترى الإدارة الأمركية وتتخوف. لكن ظل سؤال أخر فى غاية الأهمية: ما الذى يجعل واشنطن تثق

فى الإخوان، وتتفق معهم على حكم مصر؟ فى التقديرات الاستراتيجية الرسمية رأى عمر سليمان أن الولايات المتحدة اختبرت التعامل مع الإسلاميين قبل ذلك

وارتاحت جدا، وضرب عدة أمثلة. الإسلاميين ومن بينهم الإخوان المسلمين لعبوا دورا مهما فى حشد الشباب من مختلف دول العالم الإسلامى فى الحرب الأفغانية التى

كانت آخر مسمار يتم دقه فى نعش الاتحاد السوفيتى السابق وتسببت فى تفتيته؟ جرب الأمريكيون التعامل مع الحزب الإسلامى فى العراق بعد إسقاط حكم صدام

حسين وشارك الحزب الإسلامى الذى يمثل جماعة الإخوان فى الحكومة العراقية التى شكلها الحاكم الأمريكى للعراق بول بريمر. ساندت أمريكا شيخ شريف

محمد الذى كان يدير المحاكم الشرعية فى الصومال والقريب من تنظيم القاعدة، وثبتت حكمه كرئيس

للصومال، ووقف فى مواجهة حركة الشباب الأكثر تطرفا وتحالفا مع القاعدة. الأهم من ذلك أن تجربة حكم حماس

لقطاع غزة منذ عام 2007 وفرت الأمن لإسرائيل، ولاحقت حركة المقاومة الإسمية حماس مطلقى

الصواريخ على إسرائيل، وهو أمر أصبح معروفا ومقدرا داخل الإدارة الأمريكية ولدى الإسرائيليين.